الحنين إلى وطن الأكاكوس


لطالما أحببت ليبيا، عشقتها… لطالما تخيلتها ذلك الوطن البعيد الذي يتوجب عليْ بطريقة أو بأخرى أن أعود إليه وألقي بنفسي، بجسدي، بروحي، بعقلي، بقلبي وبكل ما فيْ أن أرتمي في أحضانه كأنه ذلك العشيق القديم، تعلمتُ منذ طفولتي… منذ أن كان والدي لازالت ليبيته الضاربة في عروقه يستحي من يضعني فوق أحد فخذيْه ويحميني بيده التي تعلمت أن تمسك النخيل، الزيتون، التراب الصحرواي الدافئ، الجِمَال والجَمَال، يحاول يحميني من تأثيرات الثقافة الأمريكية التي تشبع بقيمها هو الآخر يحكي لي عن طفولته في عمقِ صحراء البلاد بين أزقة غدامس الناسخة لتأثير الزمن، يحكي لي عن اطرابلس وصغار طرابلس، أسواق طرابلس، عمارات طرابلس، وسماءها وبحرها وناسها وحنينه إلى طابرناتها، دكاكينها، زاوياتها، طرق نحاسيها وآهات بوطاناتها، بيلّاتها، غزالتها التي احتسى منها أول مرة يراها عندما تحول إليها فتىً جامعياً يأمل أن يساهم في رفعة الوطن الصغير، كانت تأتي عليه أيام لا يحب فيها أصدقاءه فقط بل حتى أعداءه والذين أرغموه أن يفر منها فقط لأنه عبر برأي يعارض رأيهم، ولأنه حمل راية سياسية تخالف رايتهم، ذلك الوجد القاتل في فؤاده جعلني أمرض بحبي لهذا الوطن وكل هذا ” القحب والمنيكة” التي تكرهها أنت ومن لا يفهمون ولن يفهموا أبداً لماذا أحبه.

 كانت تعني ليبيا أكثر من مجرد وطن لم يتزوج “سيدي” كما أحب أن أنادي أبي -والذي كان يكرهه بدوره-، وطن لم أولد فيه، لم أترعرع فيه، لم أتعلم فيه، لم أعش فيه، لم أصبح ما أنا عليه الآن فيه، كانت ليبيا الأم التي لم أنعم بمصي لحلماتها حتى تشدني إلى جذورها فلا أنفكّ بعدها، كانت الأخت التي لم تحضنني يوماً بشدة كل مرة تراني فيها أعود إليها باكية، تقبلني، تبكي معي بحرقة لتشدني إلى عيونها، كانت الصديقة التي لم تلعب معي ضاحكة لتفاهاتي وغبائي، كانت حبيبي وزوجي المتحلي بشيء من فروسية البدوي، كانت تعني كل شيء لي… عشتُ حياتي في تكساس الأمريكية متخيلة إياها قرية ليبية، أقارن كل ما فيها بكل ما حدثني به والدي وأصنع الأماكن والناس والحياة داخل عقلي وألبس كل شيء وشخص أراه أو أعرفه ليبيا رغم لساني العربي المريض بالإنجليزية، رغم ملابسي الأمريكية، رغم طريقة حياتي التي كانت تبتعد كل عام عن ما قد يجعلني ليبية، صنعتُ لنفسي شخصية ألبسها تتماشى مع أمريكا وثقافتها ومدارسها وتعاليمها أرتديها كل مرة تعيّن عليْ فيها أن أخرج من حجرة نومي ومن اتحادي بنفسي وجسدي القمحيْ، قد تقول لماذا كان يتعين فعل ذلك؟ إنني أعرف البشر جيداً، وما أعرفه عنهم أنّهم دائماً سيروْنك غريباً ما دمت جذورك غريبةً عن جذورهم، مهما أحبوك، مهما عشت معهم ومهما ألفوك، ستبقى دائماً ” الغريب”…. كان عليْ أن أظهر لهم أنني منهم لا ليقبلوني ولكن لأقبلهم.

كنت أعرف سيدي جيداً، أعرف حنينه لليبيا، لأن يخر ساجداً في بلده باكياً، معانقاً، ضائعاً، هائماً، سائحاً ومريحاً حزنه عند عودته إليها، رأيته مرات عديدة يبكي حاملاً صوراً لجدتي، لجدي وعماتي وأعمامي ولأصدقائه، صوراً له في مناسبات عدة، أتذكر تلك الصورة التي كان يقف فيها أمام جبالٍ سُمر كان يسميها ” أكاكوس”…كانت الجبال بسمرتها تتوسط حمرة الصحراء تبدو كقطعة من نيزك سقط في يوم حظٍ على الأرض الليبية، ولأنني كنت أعرف كم يشتاق لتلك اللحظة التي يرى فيها ليبيا من جديد عاهدت نفسي على أن أتعلم ما أمكنني عنها، قرأت كل تلك الكتب التاريخية التي تقع عليها يداي من مكتبته، كانت سعادتي غامرة في أول مرة أستعمل فيها الانترنت، بحثت فيه عن أول شيء يخطر في بالي ” ليبيا”….اكتشفت فيه كل ما يتعلق بها، كنت أجلس لساعات أبحث عن معلومة، صورة، فيديو، خبر أو مقال به وطني وأحفظه داخلي دون أن أشارك أحداً سري ولا حتى أبي، لم أكن أريد أن تشعر أمريكا وطني الذي ولدت فيه بأن حبي ليس له بل لوطن آخر بعيد عنه، يكرهه، يراه عدواً يحكمه “مجنون”، لم أشعر أبداً بأنّ عليْ أن أفضح ليبيتي أمام أحد حتى بعد عقد اتفاقيات السلام ورفع العقوبات وتوقيع عقود النفط، كنت أريد أن تكون ليبيتي لي أنا وحدي رغم اسمي العربي، بشرتي القمحية، عينيْ الليبيتين وشعري الفاحم.

هل تعلم ما هي أجمل كلمات سمعتها من سيدي؟ ” حنين…. بنولوا الحوش يا حنين”، أتذكر أنني كنت في الرابعة والعشرين من عمري وقد انهيت دراستي الجامعية، صرخت في وجهه ” Fuck yeah”، أحسست بسعادته، جسدي كان يرتجف، أتذكر أنني بكيت سعادةً معه عندما احتضنني كما نسي أن يفعل… والجني ذلك الشعور بالإطمئنان والراحة، كانت تلك أفضل سنوات عشتها عندما أعلن سيف الإسلام القذافي عن مشروع ليبيا الغد والاتفاقيات التي عقدها مع العديد من المعارضين السياسيين بالخارج، لازالت أتذكر مشاعري كاملة والخيالات التي رسمتها وأنا أحضر لرحلة لعودة، وداعي لصديقاتي وأصدقائي ولأمريكا، مشاعري وأنا داخل الطائرة لأول مرة أحلق نحو ليبيا، وأنا في السماء الليبية، ولازلت أتذكر كل شيء يتعلق بنزولي على أرض طرابلس في ربيع 2010، لا يمكن لك ترجمة هذه المشاعر، عليك أن تعيش ربع قرن وأنت لم تعرف وطنك سوى من حكايات أبيك وصفحات الكتب وما يمليه عليك الانترنت لتتمكن من أن تترجمها، لطالما تخيلت الأزقة، الناس، اللوحات الطرقية، الأسماء، المطاعم، الأشجار، الحدائق، العمارات والشوارع والأسواق وهاهي ترتسم أمامي يمكنني أن ألامسها، كان ذلك كأنني في الجنة الموعودة، لا عين رأت صحيح؟ ولا فؤاد أحس ولم يخطر ببال بشر… هذه إضافتي.

لم يكن بطرابلس شيء مميز إذا نظرت لها على أنها مبانٍ وشوارع، لقد رأيت معالم ثقافية أجمل من معالمها وأكثر إبداعاً، ما كان يميز طرابلس هي الحياة داخلها… كنت أتوه فيها منذ أولى ساعات الصباح، مارةً من شارع الجمهورية حيث أقطن إلى الظهرة، إلى شارع أول سبتمبر إلى الساحة الخضراء وأخوض في أسواقها وحاراتها القديمة ثم أعود إلى الظهرة لأدرس الإيطالية…. لطالما كانت اللغة التي أردت تعلمها، إن بها شيء من هويتي المفقودة، سخرية القدر حتمت عليْ أن أكون غريبة في أعين الجميع نظراً لمظهري…لم يكن هنالك الكثيرات اللائي يمكنهن أن يرتدين ما أرتديه، لكنني أحببت تلك النظرات التي يلقيها عليْ الشباب، كنتُ أبتسم كلما مررت بالقرب من أحدهم لأشعر بعينيه تغتالان جسدي تتبعانني، وتنزعان عني سراويل الجينز والقمصان الفاتنة، كان يرضيني ذلك… كان هنالك ذلك الشاب الذي دائماً ما كنت أمر بجانبه، أجده واقف مرتكزاً بقدمه على عامود كهرباء في انعطاف زقاق يطل على المعهد الإيطالي التي ارتادها، كان دائماً في المكان عندما أمر بجانبه، لم يكن به شيء مميز كطرابلس بالضبط، بل كان يلخصها في نفسه… كان يمضي معظم وقته في الشارع يحتسي القهوة والسجائر مع أصدقائه يعترضون الفتيات ويلقون عليهنّ كلمات الغزل الاعتيادية، كنت غالباً ما أراه لوحده كأنه ينتظرني… أمر بجانبه، يحدق في، أبتسم وأنا أجتازه فأشعر برأسه يتتبعني حتى أدخل المعهد، كنت أتعرف يوماً بعد يوم على ملامحه وبعض من عاداته، كان لونه أشد سمرةً مني، كأنني الصحراء وكأنه أكاكوس، شعره الأجعد يزيته ليتمكن من التحكم به، به ندبة في وجهه في أحد خديْه، كان له سن مكسور وبعض من الأسنان يغزوها قليل من صفار السجائر والقهوة، لم يكن يحب أن يرتدي سوى الجينز، يضع أحياناً سماعات على أذنيه يستمع للموسيقى المغربية من جهازه النوكيا ” الجرة”… تلك الأعوام كانت بداية نهضة الأجهزة المحمولة، كان له سيارة هوندا سيفيك يسميها ” السفيْكة”، عرفت كل ذلك من محاولاته للفت انتباهي… كنت أمر بجانبه وهو يتحدث للهاتف لأحد أصدقاءه ” أنا والسفيْكة وكيف فاتت من جنبي بيلّا… نراجي فيك”، يضغط على كلمة بيلّا عندما نكون على بعدِ خطوة من بعضنا البعض ليتأكد من أنني سمعتها؛ إنني أعرف جيداً بما تفكر فيه الآن… أنا مهبولة؟ بتشة؟ صدقني لا يهمْ…لقد انجذبت إليه.

وانجذبنا، كانت أولى كلمات يستوقف طريقي المعتادة بها هي عبارة عن محادثة بسيطة، قد يراها العديدون اعتيادية، الكليشيه الليبي ربما:

  • صباح الخير يا حلوة، ليبية؟
  • ايه…
  • ربي يحفظك…

ويرسم ابتسامته وسيجارته بين شفتيه، كل صباح كنا نتبادل التحية حتى أخبرني

  • ممكن رقمك؟ صباح الخير لا تكفي… أنتِ تعرفين، شاب مثلي يريد أن يعرف أكثر عن حلوة مثلك، اسمك مثلاً، عمرك، وهكذا.
  • هنين، خمسة وعشرون آم. قلت كلماتي متعثرة في لغتي العربية فاضحة وجودي.
  • يبدو أنك لم تعيشي هنا.
  • أنا العبسي، عبدالسلام… يسمونني الجن، أقطن في حي التوت.

ومن تبادل التحايا إلى الاتصالات الهاتفية الليلية إلى الحديث قليلاً عند زاوية المدرسة الإيطالية إلى أشياء أخرى؛ كنتُ قد جربت الحب يوماً ما، كان ذلك في تكساس في سنتي الأولى من دراستي الجامعية، كان أمريكياً  يكبرني بثلاث سنوات أحببت أن أناديه دجيمي، كان حبنا مليئاً بتدفق الحرية داخلي، القبلات، المداعبات، الأحاديث وتدخين السجائر وتجربة المخدرات في الحفلات الليلية والعودة إلى شقته لنمارس السكس، الضحكات، الحياة، توردي في حضنه؛ لكن ما عشته مع عبدالسلام الجن كان شيئاً آخراً، شيئاً أعادني حقيقةً لجذوري، كان يعامل علاقتي به كسرقة وكنت أحب تلك السرقة رغم أنني وعائلتي تعديْنا تقاليد المجتمع الليبي التي لطالما حدثني عنها سيدي؛ أخذتنا المدينة بكامل ما فيها… كنت أضحك من تحركاته وملامحه عندما يكون معي، كان يقتنص كل مار بينا في شوارع طرابلس كأنه يخبره أنني له وأنه يتوجب عليه أن يقتله قبل أن يلمس شعري المنفتح على الهواء، تسلل معي إلى الأماكن التي كان صعباً عليه أن يتسلل إليها؛ القرى السياحية التي يدخل لها الأجانب، المقاهي التي يخشى أصحابها من دخول الليبيين، كنت تذكرته التي لطالما تباهى لي بها، لم نترك أي مكان في طرابلس ولم تمشي أقدامنا عليه، ولكن ما أحببته هو وجوده معي على الكورنيش، أزقة طرابلس القديمة، في المباني الإيطالية؛ ما أحببته هو محاولاته الدائمة في جعلي أرتدي الحجاب وأن أرتدي ملابساً لا تظهر شيئاً مني، كان يخبرني أنني له وأنه لا يحب أن يراني غيره مثل ما يرى هو، وكنت دائماً ما أجيبه ” أنهم فقط يرون القشور… أنت ترى ما بالداخل” عندما نتسلل إلى شقة أحد أصدقائه في الظهرة، عمارة مليئة بالشقق القديمة الخاربة، كان يخبئني في جنح الهدوء ويراقب المكان جيداً كي لا يرانا أحد ندخل معاً إلى باب العمارة أو نصعد السلالم، الرهبة التي كانت تواتيني وهو يهربني إلى الشقة الصغيرة والانتصار الذي كان يواتينا عندما نقفل الباب ويجذبني حبه جذباً لممارسة السكس للأبد، نعم…لقد صعق أول مرة عندما عرف أنني لم أكن عذراء، تحولت ملامحه، لكنه كان يأبى أن يأتيني من الأمام كان يقول لي

  • إنني لن أزني بك، يمكنني أن أنيكك من الخلف لكن.

وقد فعل، لم يجربني أبداً من الأمام؛ كان يشعر بالخوف من شخص ما يراقبه في الأعلى إذا فعلها، أحببت التناقضات، كان من ذلك النوع الذي يسكر حتى الصباح ثم يستيقظ ليستغفر ربه، يمارس السكس مع العديدات، أخبرني بالقصص التي حملتها الشقة لكنه يأبى أن ” يزني”، وعندما ننتهي من متعتنا كان يدخن سيجارته ثم يقول لي:

  • أنتِ تعلمين أنني لن أتزوجكِ، صحيح؟!
  • حقاً؟ للأسف الشديد. كنت أخبره
  • نعم، لا يمكنني إلا أن أتزوج عذراء من الأمام والخلف، بل عذراء حتى من القبل.
  • ليست لدي فرصة إذاً!!

لم أكن حقاً آبه للزواج، لم يكن الزواج يوماً قضيتي الأساسية، نعم لقد تشبعت بالقيم الغربية والتي تجعلني حرة في تحديد مسار حياتي لكن لم أشعر يوماً سواء في أمريكا أو في ليبيا بأنه يتعين عليْ أن أتزوج؛ إن في داخلي قوة تخبرني أنّه عليْ سواء تزوجت أو لا أن أملك ثروتي الخاصة، أن أجرب كل أنواع الحب، أن أجرب الحياة بكل ما فيها؛ كان شيء في داخلي يقول لي أن عبدالسلام هو محطة من محطاتي، لكن شيئاً آخراً كان يقول لي أنه حبي الوحيد الذي سأرضى بأن يفعل بي ما يشاء، كان الأول يأتيني عندما يهمس بكلماته في أذنيْ، الآخر كان يأتيني عندما يهمس جسده في جسدي…. تلذذت بالعنف الذي يحمله داخله، بالتناقضات، بالعشوائية والعبث في حياته التي تجسد بلدي التي كنت أتعلم عليها الجديد في كل يوم أعيشه فيها، أقارنها بشخصية عبدالسلام فأجدها متطابقة، الأرض والإنسان.

كان ينتظرني دائماً أمام باب المعهد الإيطالي التي تعرفت على فتاة ليبية هناك، كان اسمها نسرين… كانت تعرف الكثير عن الليبيين، كنت أسميها ” معلمتي”؛ صادف أنها تقطن ذات الحي الذي يقطنه عبدالسلام، لذا فكانت تعرفه عنه الكثير… لم تكن نسرين تشاركني ذات الشغف الذي أملكه اتجاه وطني، اتجاه طرابلس واتجاه عبدالسلام، كانت تراني معه عند خروجي من الباب فتلتفت إلى ناحية أخرى كأنها لا تعرفني محدقة فيه، منزلاً رأسه هو عندما تمر ” بنت شارعنا غريبة الأطوار” كان يخبرني عندما تمر بجانبنا، لم أكن أعرفه ما يقصده بغريبة الأطوار إلى أن وجدت نفسي في يوم ما في بيتها بحجة الدراسة لامتحانات اللغة، كان ذلك في فبراير 2011، في منتصف الشهر…. أخذتني في جولة سياحية من نافذة منزلها عن الحي.

  • هل تريْن ذلك المنزل، إنه منزل عبدالسلام الجن… هل تعرفين لماذا يسمونه الجن؟
  • لم أجد أي معنى من سؤاله عن ذلك… لأكون صريحة لقد أحببت اللقب.
  • ستحبين اللقب أكثر عندما تعلمين أنه لقب بذلك نظراً لخفة يده في الأسواق الشعبية، وفي اجتذابه للفتيات ” أو القحاب كما يسميهن” بأساليبه ولأشياء أخرى.
  • حسناً؟!!
  • حسناً؟ إنه مجرم… هل تريْن ذلك البيت البعيد بالقرب من شجرة التوت؟ إنه بيت أحد أخطر البشر الذين عرفتهم في حياتي. هذا الحي مليء بالقبح وهو ليس إلا صورة مصغرة عن ليبيا التي تحبينها، إن كل حي هو حي التوت… هل تفهمين؟
  • نعم أفهم… ولكن لا أعرف لماذا عليكِ أن تقاضي الناس، لم تعيشي حياتهم لتحكمي عليهم.
  • لم يجعلوني أعيش حياتي.
  • وما هي؟

وقبلتني، كان ذلك جنونياً أخبرك… لأول مرة لامست شفاهي شفاه فتاة أخرى، وفي لحظات وجدتُ نفسي معها على السرير نمارس نوعاً آخراً من السكس، تلذذت بها كما تلذذت بعبدالسلام؛ عند ذلك اكتشفت حرية أخرى… عندما انتهينا قالت لي

  • هل رأيت ما أقصده؟
  • نعم، ولكنني لازلت أعشق هذه البلاد ولازلت أحب عبسي… كما أحببت هذا.
  • إنك غريبة أطوار. قالت
  • حسناً، سمعت ذلك عنكِ أيضاً من عبدالسلام.
  • ذلك الخسيس، الفتيات عنده إما قحاب أو غريبات أطوار… ولا أظنه يراكِ كغريبة أطوار.
  • وإن يكن… فلأكن قحبة، إنني أظن أنني سأحبه أكثر إذا ما قالها لي… إنها تثيرني.
  • هل قال لكِ أنه يحبك؟
  • هل تصدقين؟ لم يفعل أبداً..
  • لقد قالها لي ذات مرة، كنت أزور الوالي بركة تحت شجرة التوت العظيمة بجانب المقبرة، لكنه اختفى بعدها؛ كان دائماً ما يبحث عن فتاة يحبها.
  • هل قال ذلك فعلاً؟
  • نعم… كنت في السادسة عشر وكان في العشرين، إنني أعرف عنه الكثير. هل تعلمين أنه يحب المؤخرات؟
  • أعرف. وابتسمت باستحياء قاضمة شفتي السفلى.

ونسينا الدرس، اتصل بي أبي وقال لي ” لن آتي إليك، هناك شيء يحدث في هذه البلاد، يجب أن تبقيْ عند صديقتك”، قلت لنسرين بعد أن أقفل أبي السماعة

  • مكالمة غريبة من أبي، إذاً… سندرس في النهاية.

ضحكت  وقالت لي

  • نعم… سندرس، طيلة الليل.

ثم قبلتني مرة أخرى وفي منتصف المسافة من متعتنا في بدء الليل سمعت الهاتف النقال يرن فتوقفنا، كان عبدالسلام على الخط.

  • أين أنتِ الآن؟
  • أنا في بيت صديقتي.
  • حسناً… لا تخرجي، الوضع غير مطمئن… ماذا هنالك؟
  • لا شيء… إلا أنّ الثورة قد بدأت.
  • ثورة؟!
  • نعم حيّنا يشهد انتفاضة للأهالي ضد الطاغية…

ولم يكمل حديثه حتى تناهت لنا أصوات هتافات للناس، كان ذلك في التاسعة ليلاً يوم الإربعاء… جّن الحيْ، لهيب النار في الشارع كانت تجعل من نافذة غرفة نسرين برتقالية تحت ظلمة الليل البارد، راودني شعور غريب… فكرت أنه لدي الكثير من الأماكن في ليبيا عليْ أن أزورها، كنت قد خططت أن أذهب لرؤية جبال الأكاكوس وتلك الرسوم الغريبة في حيطان كهوفها، أن أطل على العالم من الجبل الأخضر، وتتلقفني بنغازي في سيرورة حكاياها، أن تحرقني الشمس الصحراوية… أماكن كنت أنتظر تواريخ زيارتها.

وتقاعست الأيام منذ تلك اللحظة، أخرجت ليبيا وجهاً كنت أعتقد أنها أسطورة أسمعها أبي عن المجاهدين الذين لم يملكوا بنادقاً تفوق أعدادهم، كنت مبتهجة بهذا الحدث التاريخي… لا أخفي عليك، لازلت حتى هذه اللحظة أبتهج عندما أتذكر تلك الأشهر الصعيبة التي اضطررت فيها متابعة ما يحدث في بلدي عن طريق شاشة التلفاز والمواقع الإلكتروني بعد أن عدنا لأمريكا خوفاً على سلامة والدي، فقدتُ الاتصال بالجميع في الأرض، بنسرين وعبدالسلام الذي عرفت أنه ذهب إلى إحدى المدن التي نجحت انتفاضتها وحوصرت من قبل قوات النظام.

وفي تكساس، صحبة دجيمي كنت أجتاز أيامي بدقة النمل، كان دجيمي قد تحول للعمل في إحدى المنظمات الدولية التي أصبحت تهتم بالعمل من أجل الثورة الليبية، وقد وجد لي مكاناً للعمل داخل المشروع الأمريكي الليبي؛ كنتُ أمضي أيامي صحبته أحكي له عن الفترة التي عشتها في وطني، عن عبدالسلام ونسرين وأصحاب المقاهي والناس والطرقات والأماكن التي أحببت أن أتعرف عليها وأرسم ترابها في جلدي، وحتى بعد نجاح الثورة أمضيت سنواتي أعيش في أمريكا أحمل داخلي وطناً آخراً وذكريات عن عودتي له؛ كنت أتمشى صحبة دجيمي في مركز المدينة، شعرت أنني في طرابلس وفي شارع عمر المختار أبحث عن محل انتيكات صحبة عبدالسلام، كان دجيمي يلفني كما لم يفعل الجن، وكان همه نظرتايْ بعيداً عن نظرات الناس، رأينا محلاً تشع نافذته بأضواء النيون تشع كلمات ” أوشام الجنوب”، خطر ببالي خاطر.

  • تمنيتُ أن تلامس بشرتي جبال الأكاكوس..
  • يمكنكِ فعل ذلك يا عزيزتي.
  • كيف؟
  • ما رأيك أن نوشم جسدكِ، يمكننا البحث عن الجبال في الانترنت ونجد شيئاً ملائماً للرسم.

دخلنا المحل، والجني شعور أنني سأجد إمرأة سودانية تقبع تحت الرداء الأبيض لتخيط على ذقني الوشم الليبي الدائم للنساء، شعرت أنني سأجلس تحتها لتدق في علامات القداسة وأنا ألجه، قلت في نفسي ها أنا أدخل وعبدالسلام في أحد محلات شارع عمر المختار ونجد بالصدفة هذه الوشامة السودانية التي ستجعلني أشبه جدتي، تذكرت طفولتي ورسمي لشوارع تكساس بما أسعفتني ذكريات أبي عن طرابلس؛ والجني الحنين عندما كان الوشام يقوم بنحت جسدي كما نحت أجدادي الجبال… مع كل غرزة ووخز يدخلني أشعر بأن كل الوجوه تتغير أمامي، لم يعد دجيمي هو دجيمي بل أصبح عبدالسلام في عينيْ، ولم يكن الوشام الضخم السمين سوى إمرأة سودانية تنحتني، وهكذا تحصلتُ على وشمي، رجال من العصر القديم يرقصون لآلهة على كتفي الأيمن، بكيت لما رأيت الوشم على المرآة وشعرتُ أنني قد كنت هنالك بالفعل، شعرت بقوة القبليْ، بحرارة الصحراء، بمهريات الحكايات وبقرية أبي في الجنوب، أنا كعبدالسلام، كنسرين….أحمل وطني في جسدي بكامل عبثيتي وتناقضاتي؛ وبأوشامي.

عندما خرجت للشارع، كانت عيناي تريان الحقيقة، لم يتبقى من أمريكا التي أعيش فيها شيء، بل تحلت بلباس وطني؛ سلمت نفسي لهواء قادم من الأزقة وشعرت أنه القبليْ يلفحني. سألني دجيمي:

  • Are you all right sweetie?

سمعتها بحنجرة عبدالسلام الجن يقول:

  • كيف الحال يا حلوة؟
  • I’m Ok, I feel like home

 

Advertisements

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s