الخلاص أخيراً


 

سافر أخيراً، كان ذلك حلمه ومطمعه الوحيد من هذه الحياة منذ أن علم بوجود قرىً وبلاد أخرى غير التي يقطنها، هاهو يجلس في مقهى لا يعرف فيه أحد على بحر لا يمده مده ولا يجزره جزره بعد سبعين عاماً قضاها وحيداً لا عائلة تأويه سوى ما اعتبرهم من زملائه الأجراء الأجانب الذين شاركهم المأوى والطعام والعمل والآلام، قضاها بلا مأوى سوى غرفة حفظ كل تفاصيلها الدقيقة في ورشة نجارة انتشله صاحبها من الضياع والتشرد في خمسينات الفقر والأمل، وجده فتىً لا والد له، لا أم…لا شيء سوى الأوساخ، النوم والقطط الشاردة والتسول؛ سأل عنه أهل القرية أجمعين…. كان الناس لا يجيبون أحد بأنهم لا يعرفون بأنه قد أتى من فراغ، الناس في القرية التي تربى بها أحبوا دائماً نسج القصص عن الغرابة وأهلها.

سافر أخيراً، انتظر هذه اللحظة منذ أن كان لايزال في العاشرة عندما سمع أول مرة لكنة مصرية لأحد العمال القادمين من أم الدنيا عند انتشار أخبار اكتشاف النفط في الصحراء الكبرى، أراد أن يعرف كيف يتحدث بلحن لا يتقنه، لماذا يرتدي ما لم تعتاد عيناه المشعتان داخل جسده الطيني على رؤية الناس في قريته يرتدونه، وإذا كان غريباً فهل كل الغرباء يشبهونه أم أنهم يختلفون؛ تعلم في ظلمة غرفته التي لا تأتيها الشمس إلا من فتحة صغيرة في الحجارة الطينية التي تشبهه أن يسمعه يغني أغاني الفلاحين في أرض النيل… يهزج، يحكي المصري للفتى الأجير مثله في المملكة المتحدة عن قريته والفتيات التي أحبهنّ وطعام أمه والطقس، ” دي بلد ولا كل البلاد اللي شفتاها في عمري”…اكتشف بذهول شغفه، أن يسافر لكل البلاد التي لم يشفها في عمره مثل معلمه المصري، لكنه كان دائماً ما تواجه خيبات العمر؛ فقره، عدم معرفته بتعاليم البشر خارج حدود قريته ورهبة في أن يخسر المكانة التي حظي بها بعد أن جرب حياة التشرد والسفر في الأزقة والنوم عارياً بحرية.

مرت به ليبيا بكامل تاريخها الحديث وهو ينشر الخشب ويصنع منه أثاثاً ومقاعداً وأبواباً، مرت به أجيال قريته وهو يحفظ حكاياتها وأسماءهم وألقابهم ويعرفونه علماً من أعلامها، مر به زملاء ليبيون، مصريون، أفارقة، مغاربة وهو يشاطرهم الغرفة ذاتها وينصت لحكاياتهم عن قراهم وبلادهم ولماذا أتوا وكيف رحلوا، ستون عاماً جعلته يألف الكثير ويألفه الكثيرون، ولم يصدق أحد أنه لم يتجرأ يوماً أن يخرج من حدود القرية الصغيرة التي لا تتعدى مساحتها نقطة في جلّ هذا الكوكب العظيم، كان خبيراً بما فيها… اعتاد على معرفة عدد أشجار النخيل، كم مولودٍ وُلِد فيها، ما تحمله منازلهم من أثاث، إنه نسج تاريخ عائلتها بيديه اللتين أفنتهما نشارة الخشب والأدوات والأشجار، كان دائماً عند انتهاء عمله يذهب إلى البحر الذي ترسو عليه بيوت القرية ومحلاتها لينسج قصصاً عن ما وراءه.

إن سألت الناس في القرية عن ماذا يفعله في يومه كان الجميع سيجيبونك ذات الإجابة مع اختلاف بعض التفاصيل التي ينسجونها من خيالهم، إنه يستيقظ فجراً… يتوحش الظلمة البهيّة ليرتاد مسجدها، يتشمى بعدها ليصل إلى المخبز يشتري حصته من الخبز، يفطر على البيْض وزيت الزيتون وبعض من حبات الزيتون متناولاً كأساً من الشاي أعده من إبريق صاحبه لعقدٍ من الزمان أمام غرفته في ورشة النجارة، ينتظر حتى ترقد الشمس على السماء في الشرق ومن ثمّ يقف بكامل جسده لصنع الحياة للقرية، يغرق في سجائره وأكواب الشاي التي لا تعد والعرق وأصوات النجارة وأكوام النشارة وصناعة شيء ما من الأخشاب صحبة العمال الذين بعد كل تلك العقود أصبح رئيسهم الذي يوزع عليهم المهام وينوب عن أصحاب الرزق في تيسير رزقهم، عند انتهاء ورديته يشتري علبة سجائر ويجلس أمام البحر حتى المغرب لا يحب أن يقاطعه أحدهم، لذا فقد نسجوا القصص عن خلوته، يقولون أنه كان يجلس هنالك لينظف رئتيه من بيئة العمل المليئة بالغبار، يقولون أنه اعتاد أن يصطحبه الرجل الذي انتشله للبحر ليرى عظمة الخالق، أشياء كثيرة… أنت تعرف الناس في هذه البلاد وجموح خيالاتهم، لكنه كان يجلس ويسمع ألحان وموسيقى لغات العالم أجمع من ما يرويه له البحر، يمده بمده ويجزره بجزره، يرسم في رأسه ملابسهم وطعامهم وأشكالهم وطرقاتهم ومنازلهم وما الذي يفعلونه، ثم يعود لغرفته يهزج بتلك الأغاني المصرية التي كان يهزج بها أول زميل أجنبيْ له؛ كانوا يعرفون عنه كل شيء…إلا شيء واحد، أنه كان مع قلة أجره يضع جزءاً بسيطاً من ماله ليسافر به للأبد في كل مكان من العالم سمع عنه، أحداث الزمان كانت تقضم بعضاً من هذا المال، أنت تعرف المرض في هذه البلد، تعرف مصائب الزمان التي ألمها عليها بتغير الحكومات وتأرجح الأسعار، تعرف بعض أصحاب النفوس السيئة الذين يحبون السرقة من الفقراء أكثر من الأغنياء، ومن ثم هنالك سنين المنع والحرمان والحصار التي لم يتمكن فيها السفر سوى مرةً لمدينة كل الليبيين وعاش أياماً بسيطة سعيدة من حياته يحتسي القهوة من مقاهيها، ويشرب البوخة من طبراناتها، ويفعله ما يفعله أي شاب جامح في الثلاثينات لم يحظى باحتضان دفء الأنثى، كان ذلك بعد أن أخبره أحد الشباب بالقرية عن مغامرته في طرابلس، أحياناً يشعر أنه قد تاه عن هدفه وأنه لم يعد يمهمه وأنه سيقضي ما تبقى حياته في القرية حيث يشعر بأمان الدنيا، وأمان بحرها… سمع قصصاً عن بحارٍ تفيض على أهلها وقرى تبتلعها الأرض وأخرى تحرقها، قريتها آمنة والجن الذي تعرفه خير لك من الذي لا تعرفه، أحياناً كان يقنع نفسه فيصرف ماله هنا وهناك، لكنه سرعان ما يستيعد حلمه ويعود للتحويش، البعض ينهارون سريعاً ويتركون أحلامهم إذا طالت بهم المدة…كان يأتيه ذلك الشعور كوحيْ، لكنه سرعان ما كان يطرده مستعيذاً من الشيطان الرجيم.

إلى هذه اللحظة…لقد سافر أخيراً.

كان قبل ذلك ينتظر من الحياة أن تهبه منفذاً، اخترعت له رأفة به منفذاً خرج به إلى الدنيا عند أول مرة يستمع بها لقصص ” السيد” أول زميل أجنبي له في العمل ومعلمه الذي علمه فنون النجارة على الطريقة الفرعونية وهو يصنع الشاي ويسكب له ليشرب تحت هزيج راديو ينقل صوت كوكب الشرق، رأى نفسه أول مرة في صعيد مصر، استيقظ ليجد جسده الفتيْ يتزين بجبة واسعة تنفذ إلى عينيه شمس أم الدنيا من فتحة في بيت طيني كان بذات حجم غرفته، تبع انسلال الخيوط الضوئية ليراها تبرق على قربة من الجص؛ شعر بعطشِ… الكثير من الناس يشربون الماء حين استيقاظهم، استطعم العذوبة، كان يشعر بطعم النيل وأغاني الربابة تجري على لسانه، جسده كان يندى برائحة اشتمها في جلبابٍ كان عقله يخبره أنّه يعرفه… سمع صوتاً يحدثه في عقله:

  • أنا كان عندي فدادين مليانة قمح، حباية بلون الذهَب أعزق الفأس عشانه في التراب!! آه والله…

خرج من الغرفة، بان لون جسده له وهو يفتح الباب ليندفع الضوء ناحيته، وجده متخذاً سمرةً مختلفة عن سمرته التي اعتادها، تذكر الحديث عن الله الذي يغير جلودنا حسب التربة التي نأتي منها، وعندما فتح الباب شاهد مبانٍ مثلثة الشكل بعيداً في الأفق…

  • ده أنا لفيت مصر كلها، شفت الإهرامات وأبوالهول وتهت في اسكندرية ومصر الجديدة ورقصت مع النوبة. آه والله يا بني… أنا لازم آخذك مصر معايا.

أحس بأن يدين قويتين تحضنانه وهو يسمع الصوت، يدان برديتان خشنتا بالعمل، رأى حقلاً يمتد أمامه ترعى فيه جواميس لم يستطع عدها، كان يراوده شعور بأنه يمكنه أن يلمس التربة، ويرى البشر بالجلابيب يشبهون السيّد، ونساء يرتدين السواد كأنهنّ رسمن بفرشاة…

  • أنا حبيت فمصر، شوف يا بني… دي صورة جوزتي زهيّة ودا ابني محمد ودي أمي الله يرحمها. سمع الصوت يقول له وهو يمشي ويرسم البشر على هيئة الصور التي رسمها له دماغه…

أراد أن يهم في الحياة ويكتشف أبعد من الحقل وأبعد من الإهرامات، أخذ يحمل نفسه دون هدف إلى أن انقطع الحلم، وجد نفسه واقفاً أمام غرفته في الورشة في ظلام الفجر البهيْ يمسك بلوح خشب ممدود على الحائط الصخري، انتابته رعدة غريبة.. اختفى الواقع الذي صنعه وانكشف له واقعه الذي يعيشه، لم يعرف هل كانت هذه المرة هي الأولى التي يجد نفسه في هذا الموقف أم لا، واتاه هاجس أنه قد حلم شيئاً شبيهاً بهذا الحلم قبل أن يجده رب عمله بأسابيع مرمياً مع القطط يأكل ما تأكله وينام على ما تنام عليه، حلم به رهبة وخوف وجري وقتل ورجال ينهبون ويقتلون وهو يسابق الموت والنار التي تلهب في بيت لا يعرفه وأصوات تصرخ فيه ” النار…ولا العار، الثار ولا العار”، وامرأة ترتدي حلياً وثياباً كانت تنز برائحة مألوفة كأنه نام في حضنها واشتق من نهدها غذاءه، حلم مشوش اعتقد أنه نسيه بعد أن وجد نفسه خائفاً، مرتعشاً، رائحة ملابسه نافذة من بول الرهبة ودم الجري يلفح رجليْه الصغيرتيْن.

ولكنه لم يتوقف عن الحلم أبداً، كلما سمع قصة من أحدهم يحكي فيها عن رحلته من أو إلى القرية كان ينصت بكامل أعضاء جسده، بفؤاده، بعقله، بروحه كان ينصت ويرى نفسه بدلاً عنه يسافر بين القرى والمدن والبلدان، لطالما وجد نفسه في أزقة المدينة البيضاء في أقصى المغرب العربي أو في حوانيت ومقاهي اطرابلس، لطالما وجد نفسه يسمع أقواماً يرطمون بلغات غريبة عنه يصافحونه ويتحركون حواليه، لطالما شعر بأنه يتنفس حرارة الصحراء الليبية ويحارب الجن في كهوفها، ولطالما شعر بغزو الغابات الأفريقية تزوّق جسده سواداً ليرقص في أكواخ من السعف والخيزران، ولطالما حسب أنه وُلِد في زاوية من زوايا الزيتونة التونسية وقاوم الفرنسيين في جبال الجزائر وتقطعت به سبل السودان وأهلها ولطالما وجد نفسه في أروقة الأزهر واشتم رائحة بحر إيطاليا، كان يخزن الحكايات حتى يعود بها لغرفته وينام ليسافر لكن ليس كما سافر أول مرة مع السيّد، كانت الأحلام تبهت والروائح تختفي والأصوات تنهزم والوجوه تضمحل مع تقدمه في العمر، حتى أنه أصبح يعرف أنّ أحلامه هي مجرد أحلام، ألفها وألف جموحه في السفر، هذا الجموح الذي كان يشتد حسبما ترويه له الأحلام ويضمحل في الأيام التي تختفي فيها، مرت سنون عندما يئس لم يحلم فيها البتة، لكن مهما بهتت النار فإنها لم تتوقف عن الاشتعال رغم عن أنف الشيخوخة، في صلواته وهو يضع رأسه منحنياً لربه كان يدعوه بأن يهبه المتعة ولو لمرة واحدة، عرف تلك الأحاديث والآيات التي تتعلق بالصبر وأنه في امتحان، كان امتحانه هو الإحساس بأن رجلاً ما يملك دنياه كلها فقط بعطفه عليه، رجل لم يمت حتى توقفت عجلة السفر في البلاد وصدئت المحركات وظل الجميع محتجزون في صحراء ليبيا لعقد من الزمن، وعند انفتاح العالم عليه شغلته الدنيا بأيام عمل طويلة لم يجد فيها راحة إلا أثناء المرض والشقاء، كان سيسافر قبل انقضاض الشيخوخة ومهاجمتها لعظام جسده ففاجأه أبناء الأزقة يهتفون لإضرام النيران في كل شيء، ” الشعب يريد اسقاط النظام” وشعر بأنهم يهتفون لاسقاط النظام الذي اتخذه في حياته، الذي قاوم كثيراً ليحفظه حتى لحظة الخلاص الأخيرة، استيقظ في ذلك اليوم على النار تلتهم الخشب، كانت الورشة بالقرب من أحد المراكز الحكومية المهمة التي وجد الهاتفون رغبة شديدة في إضرام النيران فيه ولم يستوعبوا أو لم يهمهم أن تصل النيران إلى ورشة النجارة التي تزودهم بأسرتهم التي ينامون فيها مرتاحين وتقفل عليهم أبوابهم ليشعروا بالآمان، بكى ذلك اليوم… شعر بحلمه يختفي، مرّ عليه حلمه الأول…حلمه القديم، تحرك خائفاً، هارباً، جارياً، الصراخ، النيران، الهتافات إلى أن وجد نفسه أمام البحر، بعد ذلك بأيام واتته حمى اعتقد أنها نهاية حلمه، كانت تقضم عظامه ولحمه.

لكنه رغم انتفاء عمر رب عمله ورب حياته ووكيل نعمته ووراثة ابنه له شعر مع الوقت بأن الورشة هي مآله الأخير لتحقيق حلمه، لم يعرف في حياته غير هذه القرية، ولم يعرف غير هذه الورشة ولم يعرف غير عمله كنجّار، هي حياته… ولن يرضى به أحد بعدها وسيجد نفسه ملقياً في الشوارع يصارع القطط على لقمة الطعام، إن أهل القرية مهما ألفوه فإنه كان غريباً عليهم، كان يعرف ذلك.. الغريب دائماً غريب، لم يزوجوه لأنه كان غريباً، سمع حساحيس كلامهم تنقل أنهم يدعونه ” اللقيط”، لقيط وعجوز، من يحتاجه غير رجل يصغره سناً وعد والده العجوز بأنه لن يطرده في فراش موته، رجل يرى الآن رزقه تلتهمه النيران.

  • اللي فات مات والحمدلله الذي وهب لنا هذا.

قال لنفسه وهو يجلس في مقهى على بحر الاسكندرية، غامرته سعادة وهو يحتسي كوباً من الشايْ أعاد له طعم شاي السيد وقصصه، نظر نحو الناذل الذي قال له بسعادة ” نوّرت أم الدنيا يا سعدت البي” معتقداً أنّه خواجة غريب، شعر بألفته، راح يستمتع بمشهد البحر والفتايات والهواء الاسكندراني، لقد كافأه الله على صبره أخيراً… في الصيف، الحرارة كانت مشتدة لكنه اعتاد الحرارة، تذكر أنّه مرض بالحمى ذات مرة، عرق الصيْف لا يقارن بعرق الحمى، سخونته لا تقارن بسخونتها، الصيف لا يحتاج للإبر والدواء ليألفه الإنسان، الصيف يحتاج منك فقط أن تواجه البحر وجهاً لوجه لتنسى وجوده، هاهو يستمتع بكوكب الشرق، ينصت لأم الدنيا وهي تحكي له عن تاريخها من بشرها ومقاهيها وبحرها وترابها وهواءها، إنّه الخلاص أخيراً.

لم يعرف كيف وصل للاسكندرية لكن ما يهم أنه وصل، قال لصوت اشتاق له في عظمة وجده ” خلاص….وصلت يا سيد”، كان يرتدي ملابساً كالتي كان يرتديها رب نعمته في يوم التقاطه من التشرد وفي يوم وفاته، بذلة افرنجية سوداء وقميص أبيض والعكاز بين يديه كان إرثه الوحيد منه أوصى به إليه.

شعر بهزاله وهو يحتسي الشاي، كان هناك ألم يواتيه في رأسه، أخبر نفسه أنه تأثير السن، لا بأس… ستختفي، اطمأن، راقب يده وهي تمسك العكاز، كان هناك ارتعاش بسيط منها، لا يهم…قال، وراقب امرأة كانت تجلس في كرسي قريب منه، شعر بألفتها له كأنه تعرف عليه قديماً قبل أن يعرف العالم أجمع، التفتت له مبتسمة، والجه احساس بأنه لازال قادراً على الحب، تداخل العالم في عينيه، شعر بتشويش ما كأن حلماً ما طرأ عليه، أحس بحرارة الصيف تشتد، حرر زرين من القميص وأزاح المعطف الأسود ” لم يكن عليْ أن أرتديه في هذا الصيف”، نظر للمرأة مرة أخرى.. اشتم رائحة تأتي منها، رائحة مألوفة كأنه بات سنين عمره في حضنها وبنى عظامه من حليبها، اشتدت الحرارة كأنها القيلولة، شعر بحاجة ماسة لشيء يبرد صدره، كان يريد أن يقف ليرى ما تبقى من الاسكندرية، ازداد ارتعاش يده، مسك بقوة يده الخشبية تمسك العكاز، نهض وأراد أن يلقي بنظرة أخيرة للمرأة، لم يجدها… اختفت وتبخرت، تحرك نحو الكاشيير ليدفع نقود القعدة، رأى الناذل… كان يبتسم له، كان به شيء مألوف أيضاً…قال في نفسه ” لن أتعجب إذا كان اسمه السيّد”، ثم شعر برغبة في الوقوف أمام البحر وجهاً لوجه، لطالما أحب البحر الذي أراد أن يمازحه ببعضٍ من رذاذ ماءه، ضحك لكن توقف ضحكه عند عودة الألم في رأسه واشتداد حرارة جسده، البلل كان آخر ما شعر به وهو يضع ابتسامة على جسده الذي تهاوى أمام بحر لا يمده مده ولا يجزره جزره، قال:

  • الحمد لله الذي وهبنا هذا…

عندما افتقد الناس في القرية روتينه الذي تعلمه بحثوا عنه في كل الأماكن التي ألفوه فيها، في الغرفة المحروقة من الورشة، في مكانه الذي يصلي فيه صلاة الفجر، في المخبز، في الورشة بالقرب من جلسة الشاي، في النخيل والأماكن الأخرى التي يرتادها، في حدود القرية إلى أن وجدوه على شاطئ البحر يمد جثته الملقية مده ويجزرها جزره لكنه لم يعرفوا أبداً أنه تمكن من تحقيق حلمه وأنه تذوق الخلاص أخيراً.

Advertisements

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s