سن الحمامة الذهبي – قصة قصيرة 



(1)

كانت موسيقى جاز بطيئة تعزف في الخلفية في حانة ” Purple Shades” حيث يلتقي البشر من كل أطياف لندن تحت الأرض في مستطيل يصل طوله 25 قدماً وعرضه 12 قدم، الأرضية الخشبية السوداء والحائط الأسود المبني بالأحجار التي تسمى بعيداً في أرض أخرى ” الحجر الفرعوني” تنعكس عليها إضاءة البار البنفسجية خالقةً جواً يشبه زهر البنفسج، كانت موسيقى الجاز تضيف على المكان لمستها القاسية،  جلس أحدهم بجانب البارِ يحتسي جعة ينهي بها تعب الأسبوع ويشرب نخب عرض صفق له الجميع دهشةً بقدرته على إلقاء نكات جيدة تتوه عيناه في فتاة منعزلة بملابسها الغرابية تنفث السجائر التي يتجمع دخانها في الضوء العاكس على هيئتها الملاصقة للحائط حتى تكاد لا تدرك أنها موجودة، كان هو ينصت لحديث الساقي الذي كان يمسح بفوطة زجاجات الشراب التي جمعها بعد مغادرة كافة الرواد ليصحوا على شمس الإمبراطورية التي كانت لا تغرب عليها الشمس.

استرجع الرجل الشاب وهو يحتسي ما تبقى من كأسه مدى النجاح الذي حققه الليلة، لقد كان الجميع يصفق بحرارة…لقد شاهد أحدهم ينقلب على جسده من كرسيه وهو يقهقه على إحدى نكاته، هي ليلة مميزة بالنسبة له، فهي المرة الأولى التي لا يقدم فيها عرضاً مجانياً، ربح مالاً جيداً لعرض أول، هذا ما كان يفكر فيه…أراد أن يحتفل بأية طريقة، طلب كأساً أخرى:

هيه يا تشارلي، ما رأيك أن أعزمك على كأسٍ من الويسكي؟ سأل الساقي.

إنّني أشعر بأنّك كريم الليلة يا عزيزي بيللو! نظر له الساقي وهو يخبره باسماً.

الليلة… سأرتفع عالياً، عالياً جداً يا صديقي، اشرب…نخبك. قال له.

نخب بيللو، أفضل ستاند آب كوميديان رأيته قادماً من الشرق. قال له الساقي وهو يضرب كأسه الممتلئة بكأس صديقه.

وظل يشربان، كان تشارلي يحادثه عن عرضٍ آخر يخطط له من أجله، فهو الذي أتاح له الفرصة في أن يكون على الخشبة الليلة والليالي السابقة، كان تشارلي أول من تعرف عليه في لندن… كان هو متلهفاً لأن يدخل حانة لأول مرة في حياته، صادف الأمر أن تكون البربل شيدس في الحي الذي يقطنه… كما صادف أن يكون تشارلي جاره الذي يقطن الشقة التي يشاركها مع عجوز إنجليزية، لذلك فهو لم يعرف غير البربل شيدس من حانات، كان مساره اليومي معروف… يذهب للمدرسة الإنجليزية صباحاً، يعمل مساءً في أحد المطاعم الشرقية هناك بمعرفة أحد أبناء بلده الذين كانوا يشتغلون كمرشدين للحياة الجديدة للشباب القادمين من تلك البلاد الأخرى على ساحل المتوسط. أخبره تشارلي أنه قد حادث صديقاً له من أولئك الفنانين الفكاهيين المعروفين لدى اللندنيين سيشركه معه في جزء بسيط من عرضه ليعرف به العالم.

لقد أبليت بلاءً حسناً يا بيللو. قال له تشارلي عندما أنهى عرض الخطة أمامه.

شكراً لك يا صديقي. ابتسم ورفع كأسه للأعلى متذكراً شيئاً ما.

راح تشارلي ينهي تنظيفه للكؤوس والصحون، بينما عاد هو يستمع لموسيقى الجاز… أدخل يده في جيبه واستخرج سيجارة حشيش، كان يحب الحشيش… نادى على تشارلي الذي تذكر أنه عليه تنظيف الطاولات، نظر الرجل الإنجليزي الأربعيني للفتاة الجالسة في الزاوية الذي والجه شعور بأن يخبرها بأن الوقت قد تأخر وأن عليها أن تعود للمنزل، قال له:

هل تريد بعضاً من الحشيش؟

لا شكراً يا صديقي… هنيئاً لك. قال تشارلي

كان الإنجليزي قد نسيى وعاد  الفتاة عندما انتقلت الموسيقى لأغنيته المفضلة، كان صوت لويس أمسترونق يضرب في قلبه فيجعله ينسى كل شيء حوله. وعاد لتنظيف طاولاته، أما هو الشرقي فقد ساقته الفتاة التي جعلت الأضواء البنفسجية من “أحمر الشفاه” ذي اللون الأسود يملك جاذبية وسطوة قاسية كبرد لندن على صدره وهو يدخن سيجارة الحشيش التي اعتاد منذ زمن بعيد أن يدخنها قبل الخلود إلى النوم.

تذكر ما قاله له تشارلي ” لقد أبليت بلاءً حسناً”، وتذكر مشهداً من أمسية اليوم كاد فيه أن يفقد توازنه وأن يقلب المشهد… كان بالفعل يبلي بلاءً حسناً عندما توقف لفجأة ولثواني قبل أن يدرك أمره بأن شرب قنينة ماء كاملة وطلب استراحة للذهاب للحمام لأنه كما أخبر الجمهور كان يشعر بأنه ” سيغرقهم بولاً بدلاً من الضحك”.

(2)

– مرحباً بكم أعزائي، تبدون مألوفين لي… أنت هناك في الزاوية، نعم صاحب القبعة البيضاء الدائرية، أنت رجل فضاء صحيح؟ لأنني سأحتاج منك إحداثيات الفضاء…. أنا الآن بجانب المريخ لا أعرف أين أتجه، ولا يشتغل جهاز الجي بي إس اللعين المضمن في هاتفي النقال، اللعنة! 

وقهقه الجمع المحلقون للرجل الذي دخل المسرح يحاول أن يجد جهاز المايكروفون ليحدثهم، كان واضحاً عليه أنه تحت تأثير مخدر ما… حركاته العرجاء ومشيته المتأنية وعيناه الحمروان تخبرانك أنه تحت تأثير الحشيش لا غيره.

نعم، لقد كشفتموني… أنا أسبح عالياً مع الكائنات الفضائية الآن، ولكن كان هنالك وقت عندما أدخن سيجارة حشيش أشعر بأنني في لندن، هذا ما كنت أخبر به أصدقائي عندما أريد أن أقول لهم بأنني تحت تأثير هذه العشبة المقدسة ” أنا في لندن الآن”، في بلادي… لندن بدت أبعد مكانٍ يمكن أن أصل إليه، تحتاج لأن تدخن ثلاث جونتات للوصول إليها، دعوني أسألكم سؤالاً: هل أنا وحدي الذي يملك هذا الحب اتجاه هذه النبتة الرائعة؟ أشعر بأنني روميو وهي جولييت، أنا المملكة المتحدة وهي الملكة، لابد أنّ أمي كانت نباتية، لأنني يمكنني أن أعيش عليها وحدها، صدقوني…هل تعرفون المقولة ” ولد وفي فمه ملعقة ذهب”، حسناً أنا ولدت وفي فمي ” بافرة”! إنّ الجميل في الحشيش هي القصص، دعوني أحدثكم عن بعض القصص التي حدثت معي في ليبيا وأنا لندني هناك، كنت ذات مرة أقود سيارتي، مشغلاً الموسيقى… العملية للوصول في ليبيا، في طرابلس تحديداً لشخص مثلي يحتاج العديد من المحطات، أقود سيارتي في الطريق السريع، أشعل السيجارة مستعداً للتحليق، لا يمكن للسيارة أن تلحق إذا لم أكن في الطريق السريع، فهناك البوابات الأمنية، وهناك البشر المتلصصون الذين يبقون أعينهم في بقية السيارات حتى تتعجب كيف يمكنهم أن يروا أمامهم مع رياضة التحديق التي يقيمونها، بعد التحليق… أجد نفسي تحت البيق بن تماماً؛ حسناً… ولأنني مثل بقية الشعب الليبي فإنني دائماً ما ” أحمي نفسي” كي لا أنسى قدرات التحديق الخاصة بي، هناك دوريات للتحديق نقوم بها هنالك، ورغم أنني لم أكن سأربح دوري التحديق ولكن أنا من النوع الذي يحظى دائماً بشرف المشاركة؛ في هذه المرة كنت أحدق في سيارة بيجوت قديمةذات الستة مقاعد تبدو أن سائقها اخترع معدناً جديداً اسمه الصدأ! كانت السيارة تحمل حقائباً ومعدات زراعية وكان تنفث دخاناً كأنها تدخن سيجارة حشيش، أردت معرفة قائدها الأسطوري، أسرعت لأرى وجهه، كان رجلاً عجوزاً يرتدي شالاً لافاً إياه على وجهه، نظرت له، حدق نحوي؛ كانت هناك ابتسامة غريبة ترتسم على وجهي عندما أكون ” هاي”، فتحت نافذة سيارتي وقلت له بصوت بطيء جداً لكنه مسموع: Yeah maaaaan! Keep it real Bro

كان الجميع يضحكون من أعماقهم، كأن الضوء البنفسجي الذي يسطع في أرجاء الحانة المخلوط بدخان سجائر الرواد الذين يملؤون المكان ينفث غاز الضحك، شعر بأن عليه أن يشرب كوباً من ماء، حاول أن يمسك بالكوب، كانت عيناه مطفئتين من كمية المخدر المسيطرة عليه، بحث في السحنات التي تلتف حوله تنتظر منه نكتته القادمة، كانت هنالك في إحدى الزوايا فتاة ترتدي الأسود وتضع أسود شفاه وتحدق فيه؛ شعر بأنّ وطناً بأكمله يلاحقه في عينيها، انتقل بعينيه لبقية الجمهور ثم قال:

حسناً، سأقول لكم الحقيقة…. إنني أصبحت نادماً على وجودي هنا في لندن، لا تأخذوا الأمر شخصياً، نعم في لندن هنالك الحرس الملكي الذين لا يمكن أن تفوت فرصة المزاح معهم، وهنا يمكنك أن تشتري كحولاً ممتازة دون أن تتخيل منظر الشرطي الذي سيقوم بإشعال الفرنيللو في مؤخرتك، كما أنها مليئة بالحفلات والسينما، إنها أثرية وكأنّك تشعر بأن وليام وولس لازال يصيح فيها بالحرية، هنالك الفتيات…كم هنّ رائعات وغير محجبات، لا يتركن لك مجال للتخمين في حجم نهودهنّ أو مؤخراتهنّ، يمكنك أن تتذوق ما تشاء، الحياة جميلة هنا رغم أنّ الباوند يزن باونداً كاملاً هنا، في ليبيا يمكنني أن أعيش ليومين بباوند واحد فقط! هل تصدقون؟ قهوة، شراب، بنزين، سجائر، وخبز وجبن بباوند واحد فقط! لكن ليس هذا ما يزعجني في لندن، ما يزعجني فيها هو نوع الحشيش… أقصد: بحق الله، What the bloody hell are you smoking ?

ولأنني لا أحب أن أقولها، لكن أحياناً أشتاق لليبيا، فقط… لأجل الحشيش، إنهم يملكون نوعاً آخراً مختلفاً جداً عن هنا، ولأجعل الصورة واضحة أمامكم دعوني أقص لكم هذه القصة… لقد كنت أنا وصديقي البيقي؛ نعم هذا ما كنا ندعوه، كان زنجياً وسميناً كالخنزير كما أنّه كان يحمل ملامح تاجر مخدرات، كنا أنا والبيقي في شقة لصديق له قد ترك له المكان مسافراً لبلاد أخرى يبحث عن الجنس فيها، ولأنني لم أكن من أولئك الذين يرتاحون في أماكن لا يعرفونها، كنا قد اشترينا أنا والبيقي كمية مناسبة من الحشيش وخططنا للسفر أبعد من لندن في إحدى الليالي، كنا ندخن في الحمام كي لا تنتشر الرائحة في المكان… لذا كنا نتبادل الدخول للحمام لإشعال سيجارة، جاء دوري… وقفت أمام النافذة التي فتحتها، ودخنت، كنت أحلق بعيداً عندما رأيت 10 سيارات تيوتا بيضاء تنتشر في الفناء المقابلة للشقة، ها أنا أدخن الحشيش وأمامي 10 سيارات تيوتا بيضاء – بالمناسبة، هذا يعني الأمن الداخلي!!- ينتشرون في المكان وهل تعرفون ماهي أول فكرة خطرت في بالي: أولاد العاهرة جاؤوا ليشعلوا الفرنيللو في مؤخراتنا، رأيت نفسي في زنزانة صغيرة أشتم رائحة مؤخرتي المشوية فقط لأنني أشعلت سيجارة حشيش؛ حاولت أن ابعد الفكرة، فكرت أنني أهلوس، نظرت نحو السيارات ولما تأكدوا أنها مازالت موجودة في الفناء أمامي، رميت السيجارة في المرحاض، أسرعت نحو البيقي مهستراً وقلت له: يا رجل… 10 سيارات تيوتا بيضاء، في الفناء، لقد جاؤوا من أجلنا. كان البيقي مسترخياً على الكنبة يشاهد فلماً ما، نظر لي مستغرباً وقال: ماذا تقول؟ قلت له وأنا أرتعد، كان جسمي بأكمله يرتعد: أولاد العاهرة جاؤوا لأجلنا، لابد أنه أحد أولئك الجيران الخبيثين، لقد قلت لك أنني لا أثق في المكان!! نهض البيقي ليتحقق من الأمر، وجدت في الطاولة أمام الكنبة الأدلة، الحشيش، الأوراق، بقايا السجائر التي نستخدمها للف، وجاءت في بالي فكرة: لأتخلص من اللعنة! خرج البيقي من الحمام وشاهدني أدخل إليه مسرعاً، لم يعرني اهتمامه، وألقيت بكل شيء في المرحاض، أعني كل شيء…حتى الحشيش، وظللت أحدق في المكونات وهي تسبح صحبة الخراء في المرحاض، ولا أعلم إذ امتدت يدي إلى قطعة الحشيش، تلامس الخراء الكبير وتخرج القطعة لأذهب وأسلمها للبيقي بعد ما مسحتها بملابسي وطلبت منه أن يخبئها!! لكن المنيكة ليست هنا، المنيكة عندما أخبرني البيقي غاضباً أنه لم يرى أية سيارات مرصوفة في المكان وأنا جالس في الكنبة أنتظر من عناصر الأمن أن يدقوا الباب مرتعشاً أدخن سيجارة علامة على توتري، لقد انهال علي بالسباب والإهانات، ثم تابع مشاهدة الفلم، بعد نصف ساعة تماماً قال لي: أين ورق البافرة؟ نظرت له كالأحمق وقلت له: لقد ألقيت بها! قال: أين؟ قلت: في المرحاض!! شده بي غاضباً ونظر لطرف الحشيش قائلاً: لا تقل لي أنك ألقيت بالحشيش في المرحاض أيضاً ثم سلمتني إياه؟! قلت له: No maaaaan, I’m not that faggot! وصليت لله أن يصدقني وإلا سيتحقق البيقي من جدوى أغنية Niggas bleed like us

ومضى يحكي لهم جميع القصص الفكاهية التي إما عاشها أو اختلقها عن الحشيش، ذكر لهم تلك المرة التي أوقفتهم بوابة أمنية وشم الرجل العسكري رائحة الحشيش في السيارة وكيف جعلت الهيستيريا خاصته من الرجل يكاد يجن ليقول له: أنت مريض…لست على ما يرام، اذهب وأدعو الله أن لا تراني مرة أخرى! كما حدثهم بالمرات التي كان يلقي بها بطرف حشيش كامل حالفاً بالله أن لا يدخنه مجدداً ليجد نفسه يدخنه من جديد، أخبرهم كم يدخن مرة في اليوم، بتلك المرة التي دخل لمقهى محششاً ليعرف بخبر موت أحدهم فيقول بدلاً من ” عظم الله أجركم” أو ” ربي يرحمه” ويدمجهما قائلاً” والله…يا صديقي… ربي يعظمه فهمت كيف؟!”، عدد لهم المرات التي طلب فيها ” قهوة… وكريمة” من مقاهي طرابلس، وتلك المرة التي أخطأ فيها الطريق فقط لأنه سرح مع الموسيقى وأفكاره التي يأخذها إليها الحشيش، والمرة التي نسيى فيها سيارة مشغلة لساعتين وهو جالس بمقهى بطرابلس ليجدها في مكانها لم تتحرك. العديد من القصص كان يلهبهم بها… وبعد كل قصة، كان ينظر للفتاة في الزاوية ويشعر بضيق أو باتساع رغبته في فعل شيء ما لها.

(1)

– ما اسمك؟ قال لها وهو جالس على الكرسي بجانبها يحدق فيما جذبه إليها.

– حمامة. قالت بخجل بلغة عربية كأنها مرت عليه ذات مرة.

كان يجلس بعيداً، يستمع لجون سكوفليد يفك السلال على قلبه بصوته الجش في Unchain my heart وبأنين معازف داوود تصدح في الأرجاء وتصدح في عقله المتكيّف يبادلها النظرات هي تدخن سيجارتها وهو يدخن جونتته قد تبيّن الآن ما ترتديه، كانت ترتدي فستان أسود اللون ينعكس ضوء النيون البنفسجي عليه كالنجوم من المجرة التي يسبح فيها، نحَّى نظره ناحية نهدها الذي يضع الكون كامله في نهديْن ككل تلك النهود الليبيات التي حاول أن يتخيلها من وراء حجاب، حلمتيْها البنيتين، تمتد على جسدها الزمّيطِيْ اللون لتخبر أنها ذات صلة ببلاد كان يقطنها، شعر برجفة في تضرب في صدره، انتقل إلى وجهها الذي استحقت من أجله الاسم: حمامة!! لابد أنها راقصة شرقية قال لنفسه، لكن شيئاً واحداً جعله معلقاً دون حراك حتى إذا انطفأت السيجارة بين يديه، ابتسمت له؛ سطع شيء ما بين أسنانها…. تبيّنه، كان سناً ذهبياً في نابها الأيمن، لقد اعتقد أنه رآها عندما كان في المسرح يلقي النكات والقصص ويلقي النظرات ناحيتها ليكتشف أنها لم تضحك أبداً على نكاته التي ضحك عليها الجميع، كانت تقف هنالك بعيداً في زاويتها تبدو كأنها تحاول خلعه روحه، تشرب من كأس الفودكا خاصتها وتدخن… كأنها رآه وهو يحكي قصة عن فتاة عاشرها هناك في بلده ليبيا، كان يقول للجمهور ” كانت غبية لدرجة أنها تعتقد أنّها يمكنها أن تطير! أقول لكم، رأيت الجنون في نساء لندن ولكن نساء ليبيا: Like WOOH !God, THEY are so fucking CRAAAAAAZY ، كانت حمامتنا الطائرة هذه تصدق أن عبّاس ابن فرناس قد حلّق بالفعل لسنوات وطار الأرض كلها واكتشف أمريكا وأستراليا والمريخ والمجرة السابعة عشر ولربما رأى الله لكن الدول الغربية التي تكره الإسلام وتحقد عليه أخفت تاريخه حتى ينالوا من الأخ القائد الثورة…لم أكن أثق بقدراتي السمعية، قلت لها ماذا؟ الأخ قائد الثورة؟ قالت، نعم…وسأثبت لك أنني أستطيع أن أطير! وأصرّت على رأيها وبعد محاولات قلت: حسناً….حسناً، لقد طار عبّاس ابن فرناس ولكن ليس بجناحيْن يا عزيزتي، بل لقد كان تحت تأثير الحشيش، ويمكنني أن أساعدك في أن تصل أبعد منه في تحليقك، خذي دخني هذه!!”، وحدق فيها…هناك فقط ابتسمت تنظر له كما تنظر له الآن، مبتسمة يسطع الضوء البنفسجي منها.

وأنا بلبل!! قال لها مفصحاً باسمه.

كنت أعتقد أن اسمك البيللو؟ تساءلت.

هذا ما أقوله لهم، هل تعتقدين أنّ أحدهم سيعرف ماذا تعني بلبل؟ إنها حتى ليست ملائمة لهم. قال

لكنها ملائمة لي، بلبل! طائر جميل، يغني القصص.

بلبل من بلال.

اوه، بلال أيضاً كان يغني بالأذان. قالت له.

هاهاهاهاهاهاها… هل تعرفين أن بلبل في بلدي تعني شاذ جنسياً؟ قال لها محاولاً التمسك بزمام الكلام.

حقاً؟ قالت.

نعم، وجمعها بلابل…بلبل، بلبول، بوفتة، آكلة، كوال، كعكة والكثيرات غيرها من ما ننادي به في ليبيا الشواذ جنسياً. قال موضحاً ومحاولاً إضحاكها.

أرى أن الأمر ليس مضحكاً حقيقةً. قالت، إنه يؤلم الناس ولا تدل إلا على السخرية من الناس. أضافت.

أعرف، أعرف… قصدت أن هذا ما يقولونهم عنهم في بلدي.

حسناً، حدثني عن بلدك؟

ألم تسمعي ما كنت أقوله على الخشبة؟ قال بشيء من الهزوْ.

لا، لقد سمعت كل شيء. قالت تجيب.

إذاً عن ماذا تريدين أن أحدثك؟ أشعل سيجارته.

حلق يبحث عن تشارلي الذين كان يكمل تنظيف بقية الطاولات. لربما أنه قد فهم ما الذي يريد أن يصل إليْه، إنّ تشارلي يعرف معاناته التي لاقاها حتى الآن، فهو لم يتمكن من أن يمارس الجنس، كان تشارلي يتفهم ما يحدث له، هاهو فتى رائع في الرابعة والعشرين من عمره لم يمارس الجنس حتى الآن بعد ما أخبره أنّه عاش أيامه في ليبيا ولم يتمكن من النيك أبداً! حاول مراراً أن يساعده على الأقل في أن يواعد فتاة، يحبها وتحبه، تقبله وربما تسمح له بأن ينيكها، ما الفائدة من الحب إذاً؟!، أحس بالشكر لتشارلي وهو لم يطلب بالفتاة الرحيل حتى الآن من الحانة.

حدثني عن أشياء أخرى. قالت له تشعل سيجارتها وتلف يدها اليمنى على خصرها وتدخن باليسرى، حيث بدا إصبعها الأصغر حراً عن الآخرين ملقياً عليها أنوثة.

حسناً، هنالك الطعام.. بازين، عصبان، كسكسي، رشتة، مكرونة امبكبكة، أنا أستطيع أن أصنع لكِ بعضاً من هذه الأكلات. قال لها.

أي شيء آخر؟

اممم، هنالك أيضاً أماكن تاريخية، والبحر، والهواء النقي، الشمس حارقة فيها، والشتاء ألطف بكثير من هنا حتى أنني يمكنني الآن أن أسير عارياً في شوارع طرابلس بعد أن جربت برد لندن. حاول أن يجعلها تضحك.

اممم، ماذا عن قصصك فيها؟ كتلك التي كنت فيها أنت وصديقك ما كان اسمه؟ عندما كنت ترتعش وخائفاً أو ما شابه. 

قالت له وهي تحرك سيجارتها يميناً ويساراً كأنها ترسم المشاهد بين عينيه، آه… تسمر، شعر أنها كانت تخترق شيئاً داخله وهو يتابع كالماشية وراء موسيقى الجاز في الحانة، وراء الضوء البنفسجي الذي يسطع في الظلمة، وراء الدخان، وراء جسدها، وراء سنها الذهبي الذي كان يشعر بكيانه الخاص به، أراد أن يحكي لها لكنه ومع بطء لحن صوتها وعذوبته كان شيء ما يتحرك داخله، يريد أن يخرج كل ما يخبئه صدره، مرت ذاكرة معينة بعينها في عقله، أراد أن يبعدها، لكنه كانت تعود كل مرة يحاول أن ينشها كالذبابة، لكنها ذبابة طائرة ومزعجة وحقيرة تعاود الزنين في عقله، حاول أن ينطق بكل القصص التي يريد مشاركتها والتي قد تجعله يتمكن من الحصول على موعد آخر معها أو حتى يرافقها الليلة للشقة، أي شيء يجعله يتمكن منها، لكن المشهد الذي تراه عيناه كان مزعجاً ويمسح بقية المشاهد ليعاود الظهور…حسناً!!

(2)

– حسناً، أنا آتي من منطقة تدعى بوسليم، إنها في غرب العاصمة، وهي تعد أكبر المناطق بالتعداد السكني في طرابلس، إنّ بوسليم مكتظة بالبشر أكثر من الصين ذاتها، ولأنها كانت كذلك، فقد كانت بها جميع طبقات المجتمع الليبي، ولقد كانت هنالك تلك المرة…. لطالما أحببت الحمام،كان لديْ ذلك الصديق، البيقي… كان صديقي منذ المدرسة الإبتدائية، تعرفت عليه هنالك فيها… واستمرت صداقتنا حتى نهاية الثانوية، بعد ذلك انقطعت قليلاً عندما بدأت أدرس في الجامعة وتخلى هو عن الدراسة، كان حيي أنا وحي البيقي مختلفين،  يمكن القول أن ظروف نشأتي أفضل بكثير من ظروف نشأته… لكن ما كان يميز البيقي أنه كان يربي الحمام منذ طفولته فوق العمارة التي يسكنها، كان يخبرني دائماً بحمامات أخيه الأكبر الرائعة غريبة الأشكال والألوان، وأنه قد اشترى منه واحدة واثنتين وثلاثة وقد سمح له بأن يربيها في براكته الخاصة ويعتني له بها، وكنت أغبطه بشدة…لماذا لا يكون لي أنا حمامي الخاص وبراكتي الخاصة أتمكن من مشاهدتها لساعات في منزلنا؟ لماذا لا تكون لي حمامات أطعمها، أنظفها وأربيها لوحدي.قلت لنفسي، لكن والدي كان يرفض ذلك، كان يحتقر أولئك الذين يربون الحمام، قال لي أنه سينتهي بي الأمر أن أتعرف على أناس لا يريدون أن أتعرف عليهم، أولئك الذين يقتعدون الطرقات بدون فائدة ترجى من حياتهم، لكني لم آبه…أردت دائماً حمامة! حمامة واحدة على الأقل… ولتكن أغرب أنواع الحمام، وأجملها روعة، فلتكن لدي لأنني لم أكن أتحمل مشاهدة حمامات البيقي وحمامات أخيه، لم أتحمل أن أسمع قصصه عن الحمام دون أن أكون قد ملكت واحدة لأشاركه بقصصي أيضاً، هذا ما كان الأمر… صراع قصص، لذا؛ رغبتي الطفولية جعلتني دائماً أحاول البحث عن طائري، كنت طيلة اليوم ألاحظ الحمامات حرة في السماء من سقف منزلنا، حاولت مراراً أن أصطاد ولو واحدة، أمضيت عشيات وأضاحي في سقف المنزل أحاول التقاط واحدة على الأقل، فلتكن واحدة رائعة… سأحبها بالفعل، هذا ما كنت أقوله… فقط واحدة يا الله دعوته في صلواتي الخمسة، كنت أصلي خصيصاً ليستجيب لي، حلمت بأنّ لدي كل تلك الحمامات التي تطير في العالم، عشت على أمل ذلك الحلم…أصحى كل يوم وأقول هذا اليوم الذي سأحصل فيه على حمامتي، حتى كانت تلك المرة.

توقف عن الحديث، شعر بأن نفسه يكاد يسرق منه… أناخ برأسه للأسفل يبحث عن أي شيء يتمسك به، كان الحشيش مخلوطاً بالكحول يجعلانه يحاول يتخذ قرارات متناقضة، هاهو أمام الفتاة الجميلة المتوشحة السواد كأن كلها بما فيها تنادي عليه، وهاهي رغبته في أن ينهض بأي عذر، بعذر شبيه بأن عليه أن يتبول ليدخل للحمام ويلتقط أنفاسه بعيداً عن ضغط اللحظة التي وقع فيها، هاهو يريد أن يجعل المشهد يستمر ليتمكن من أي شيء، وهاهو يحاول أن يتخلص منه كذبابة فاسدة تريد أن تقض مضجعه.

حسناً، كان هنالك تلك المرة؟! قالت له بعد أن لاحظت صمته.

كانت هنالك تلك المرة، صحوت مبكراً… صليت لله أن يكون اليوم هو يوم أن أحصل فيه على حمامتي، خرجت من البيت متجهاً نحو المدرسة، في مدخل المدرسة كان يقف الحارس العجوز ” البدوي” كانوا ينادونه، رجل عجوز كأنه أتى من الصحراء يقف على عتبات المدرسة كل صباح يرتشف الشايْ، يضع ملابسه الليبية لافاً إيشارباً تحت رقبته، كان له شارب كث في وجهه الذي يشبه الطين الأحمر، كان يقف هنالك يراقب الأطفال يدخلون ويخرجون من المدرسة يحتسي الشاي ويحمل هراوة، كان خفيف الظل حقيقةً، وبه لطف غريب اتجاه الأطفال سواءً فتيات أو فتيان، كان يعتاد على الحديث معهم ويخبرهم ” ابن من أنت؟” ” آه…والدك صديقي”، في تلك المرة بالذات أوقفني وأنا أدخل للمدرسة…كنت قد أتيت باكراً جداً، مررت بجانبه وقلت له ” صباح الخير يا عم البدوي”، قال لي ” صباح الخير يا ولدي، لازال الوقت مبكراً ألا ترى ذلك؟” قلت له ” حسناً… ليس لدي ما أقوم به في المنزل” قال ” أتمنى لو كان الجميع بنشاطك، أنت من الأطفال الذين ألاحظ نشاطهم في الحضور، سأتحدث مع المدير عنك…سأخبره أنك أفضل تلميذ في المدرسة” قلت له ” شكراً يا عم البدوي”، قال ” متأكد من أنه سيعطيك درجات إضافية” قلت له ” حقيقةً، لا أريد الدرجات…إنني أريد شيئاً آخراً تماماً، وسيعطيني إياه الله” قال ” اوه… أنا متأكد من أن الله سيعطيك ما تريد، دعني أدعو لك الله… اللهم أعطي هذا الفتى، حسناً ماذا تريد؟” قلت ” حمامة” ابتسم وشرب الشاي، كانت أسنانه صفراء، هذه أول مرة ألاحظ أنها كانت صفراء بشدة، لكن كانت له سن أكثر صفرةً من الأخيرات، سن ذهبية… مسح بشاله على فمه ليتخلص من اللون الذي يضعه الشاي على شاربه الأبيض الكث، ثم قال ” حسناً، أعتقد أن الله قد استجاب لدعائك، أنا لديْ حمامة سنها ذهبية، هل تريد أن تراها؟ يمكنني أن أعطيها لك إذا أردت فأنا عجوز وتعبت من الإعتناء بها” قال لي وهو يسعل سعالاً مؤكداً على عظمه في السن ” قلت له، حقاً؟ هل ستعطيني إياها؟ هل متأكد من أنها سنها ذهبي؟” كنت أخيراً سأنتصر على البيقي، هذا ما طرأ في بالي أول مرة، نعم سأفعل وستكون لي حمامة أغرب وأجمل من حمامه هو وأخيه، قال لي ” حسناً… يا فتى، إنها ملكك من الآن، إنني أخبئها بحيث لا يمكن لأحدهم أن يأخذها مني، أنت تعلم هذه حمامة فريدة من نوعها وقد كان لها سنيْن وهذه السن الذهبية التي لي هي أهدتها لي شكراً منها لحسن المعاملة، تعال غد… أبكر من اليوم، أعرف أنك فتىً نشيط، سأعطيك إياها” فرحت، مضى ذلك اليوم وجاء الغد المنتظر، و….

حسناً؟ قالته له بعد أن توقف ليشعل سيجارته.

بحث عن تشارلي، أين هو؟ كان ينظف الطاولات، أراد أن يخرج من المشهد، الآن كان عليه أن ينهض ويبحث عن سبب ملائم للخروج حتى إلى الشارع، كان تشارلي يرتب ما تبقى من كيسان غير آبه بوجودهما معاً، تشارلي اللعين قال لنفسه، لابد أنه يريد أن يترك له المشهد ليتمكن من الحصول على مبتغاه! تشارلي الغبي قال لنفسه أيضاً، أراد أن ينهض لكن كرسيه كان ملتصقاً به ورجليه ترتعشان، اللعنة على الحشيش والكحول عندما يجتمعان.

ماذا حدث؟ خبرني؟

حدثيني… حديثيني عن نفسك. قال له محاولا أن يتخلص من شغفها بمعرفة قصته والسن الذهبية خاصتها يحدق فيه الآن خلف اللون البنفسجي الذي ينكسر على المكان.

أنا؟ قلت لك أنا حمامة… أنا راقصة شرقية، سأحدثك عن نفسي عندما تنتهي من هذه القصة، هيا… لقد تشوقت لمعرفة نهايتها. قالت متغنجة.

أحقاً لا تعرفين ماذا حدث؟

ماذا؟

………

هيا!

لقد، لقد…. لقد فعلها بي العجوز، أتيت باكراً لأحصل على حمامتي منه، قال لي أنها بحجرة نومه، دخلت وراءه، كان واقفاً أمام الباب، قال أنها تحت السرير خاصته وطلب مني أن أتقدم لأخذها، وحصل ما حصل.

ما الذي حصل؟

أنتِ تعلمين… لقد حصل. قال محاولاً أن يتخلص من قميصه الذي أصبح يغتصب أنفاسه.

ماذا؟

هاهاهاهاهاهاها لم تكن هنالك حمامة سنها ذهبي، ولا حمامة أخرى… هل تفهمين؟ لم تكن هنالك حمامات!! هاهاهاهاهاها.

ماذا الذي رأيته هناك؟

هاهاهاهاهاهاهاهاها لا شيء! نزلت لأبحث عن الحمامة تحت السرير لأشعر بشيء يتحرك في مؤخرتي، هل فهمتي؟

ما هو؟ قالت.

زبه أيتها الغبية! زبه… لقد ناكني العجوز، هل فهمتِ؟ هاهاهاهاهاهاهاهاهاها

وعلت ضحكاته وضحكاتها الحانة، كان تشارلي ينظر له مبتسماً، لقد تمكن أخيراً من أن يكسبها لصالحه قال الساقي وهو يدخن سيجارته الأخيرة بعيداً بعد أن لفتوا أنظاره وهو ينصت لديانا كرال تغني  Let’s fall in love، كان الساكسفون يضيف من ناحيته ناحية جميلة على المشهد، هاهما… فتى في الرابعة والعشرين، وفتاة جميلة يمكنه أن يواعدها ويحبها وتحبه وينكيه وتنيكه تحت الضوء البنفسجي وموسيقى الجاز، مشهد يستحق أن يكون نهاية لفيلم رومنسي انتصاراً للحياة والجمال والروعة والنجاح.

توقفت هي عن الضحك أمام مشهد وجهه وهو يضحك، كان يضحك ضحكاً هستيرياً لا يتوقف، بدأت دموعه تخرج من عينيه، لم يتمكن من التقاط نفسه أبداً، كان ضحكه ومشهد الرجل العجوز داخله، وشعوره عندما كان يبحث عن الحمامة ذهبية السن تحت السرير عالقاً في دماغه، فجأة تحول ضحكه إلى بكاء هستيري مخلوط بالضحكات والشهقات…بكى، بكى وبكى!

Advertisements

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s