” الرجاء عدم التبول هنا يا انسان”، الجداريات الليبية بين “الابداع” و”التلوث البصري”.


2012-04-17 15.46.52
جدارية كانت بكلية الهندسة، جامعة طرابلس. للفنان الليبي بوسعديةوالذي ظهرت لوحاته في طرابلس– 2013.

دعني أقص لك قصة، كان هنالك جاران يفصلهما سور… كان أحد الجاريْن من أولئك الذين يصفون أنفسهم بالمتحضرين والذين يحترمون الآداب العامة، كان يهزأ دائماً من أقوال جاره الذي كان على النقيض منه يسعى دون وعي منه ( لأنه فُطِر وتربى على ذلك) إلى افساد المال العام، كان الأخير دائماً ما يخبر جاره أن ” الرزق رزق حكومة” و” لا فائدة يا عزيزي من أن تجعل مني انساناً أفضل، لأنني إن أردت ذلك سأفعل…ولكن الجميع يفعلون ما أفعله”، لذا فقد كان الجار الأول غالباً ما يسب جاره في التجمعات، في المقاهي، وفي كل مكان يمر به… كان ” مثقفاً” بالمعنى المحلي للكلمة، يستشهد بجاره في كل قضايا الفساد، التخلف والانحطاط ويضعه مثالاً جيداً لأية مشكلة يمر بها المجتمع، ورغم كل ذلك… فقد كان يومياً ما يحتك به كأنّه يتتبع أراءه وعثراته، وفي يوم من الأيام استيقظ الجار المثقف على عبارات كتبت بخط سيء، بطلاء أسود على السور الذي يفصل بين منزله ومنزل جاره، استشاط غيظاً، فهذا تعدي على ذوقه الشخصي… اشترى دلواً وأعاد طلاء الحائط، كان يعرف دون الحاجة للتقصي أنّ جاره هو الفاعل، وليتأكد أكثر سأله ” هل فعلت ذلك؟” قال له الجار ” نعم..” سأله ” لماذا؟” قال ” حرية تعبير… ألا تريدونها هكذا؟!”، حاول مراراً أن يفهمه أن ما فعله ليس بحرية تعبير البتة وأنه فساد ولم يحبذ أن يتطرق إلى الخط السيء واللغة السيئة أيضاً، لكن الجار لم يرد أن يفهم… قال له ” سأعيد تزويق الجدار غداً، وبكلمات أخرى… لن تحرمني هذا الحق!” وفعل! كان الجار المثقف يدرك أن جاره سيفهم أن ما يقوم به خطأ، فقد تذكر قصة حدثت بألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لرجل يقوم بإعادة سلة القمامة أمام محله لوضعها الطبيعي بعد أن يراها كل صباح مكسورة من قبل أحد السكيرين إلى أن مال السكير للتحضر وتوقف عن الحاق الضرر بالسلة، قال لنفسه أنه سيفعل الشيء نفسه… كان كل صباح يستيقظ على عبارات مثل ” ليبيا…. خشت في حيط” و” باقية وتتمدد” راسما بجانبها إمرأة نائمة كسخرية على شعار داعش، عبارات أخرى كـ ” آه من ظلم الأيام” و” صباح الخير” و”يعجبني اصرارك” و” حائط للبيع…يرجى الاستفسار على الرقم التالي” كان جاره ماهراً في إغاظته ولكنه كان ماهراً أيضاً في طلاء الحائط وإعادته لحالته الطبيعية في اليوم التالي، بقيا على هذا الحال، الجار الشاعر يعبر عن رأيه والآخر يمسح الرأي في اليوم التالي إلى أن مل الجار المثقف وأدرك أن ” لا فائدة ترجى وراء هذا الشعب” وأننا ” لسنا في ألمانيا حتى نتعلم من أخطائنا” فخطرت بباله فكرة، استيقظ اليوم التالي وقام بطلاء الحائط ومن ثم أخذ بخاخة الطلاء وكتب ” ممنوع التخربيش هنا… يا حيوان”، جاء الجار المكافح…ضحك، كان ضحكه يملأ الشارع حتى أن جاره الذي يراقبه يومياً من غرفته سمعه يضحك، غاب ثم عاد بدلو وقام بطلاء الحائط، كان كأنه قد لقن جاره درساً ما… درسا خفيا.

فليسقط القذافي، الميلاد والتطور.

Photo0088
إحدى أولى الجداريات بعد انقضاء نظام القذافي في طرابلس، يوم 21 أغسطس 2011- تاجوراء، ليبيا. 2011

إنّ أولى التفاتاتي للحائطيات الليبية كان في 2011، عندما تفجرت في داخل كل ليبي قدرات التعبير عن الذات، يحتمون بالظلام ليعبروا عن أرائهم وسط حارات وأزقة وأحياء طرابلس التي كانت تحت سيطرة القذافي آن ذاك، كان يمكنك أن ترى في كل شارع عبارات تندد بنظام العقيد مختلفة الحدة ومختلفة اللغة وطريقة التعبير والقدرة البلاغية، لم تكن تلك الحائطيات قبل ذلك بالمشهورة؛ أعني لم تكن ” ترند”… لم يسبق أن رأيت حائطيات بهذا الزخم قبل 2011، قبل ذلك كانت نادرة جداً ولا تتعدى عبارات تعبير عن الحب بطلاء عادي بالإضافة إلى عبارات عن فناني الراب المشهورين ” توباك وبيقي والثاق لايف التي يعيشونها”، يمكن القول أن ميلاد ” شعراء الحائطيات” كما أحب أن أسميهم كانت تلك الأيام من سنين ثورة فبراير ( أو كما تسمى الآن بالحرب الأهلية الليبية الأولى) حيث أصبحت حوائط المدارس، الأماكن الحكومية والأزقة هي وسيلة التعبير الأوسع في طرابلس؛ إلى تلك الدرجة التي خصصت فيها حكومة القذافي فرق لمكافحة هذه العبارات المحرضة ضد النظام بل وملاحقة أصحابها، مجموعة من الشباب قد ألقي القبض عليهم من قبل دوريات العقيد في جنحِ الليل وهم ملتبسون بالجرم، بعضهم وشى به الجيران، حتى أنني أعرف قصة طريفة لإحدى العجائز في الحي الذي أقطنه كانت تخاف أن تمر بهذه الجداريات في أثناء الثورة معتقدة أن عناصر النظام الليبي قد تحبسها فقط لأنها ألقت نظرة عليها.

ولاشك أن ذلك أثر على وسيلة التعبير السياسي إلى ما تبقى من سنوات حتى هذا اليوم، فلازالت الحائطيات هي المكان الذي يلجأ إليه العابثون في الليل للتعبير عن رأيهم السياسي خصوصاً عندما يقعون ضمن منطقة يتحكم بها طرف يعارضونه، حائطيات طرابلس كانت معبرة عن جميع الأراء السياسية طيلة 6 سنوات ولازالت، إن بعض هذه الحائطيات كـ ” موق موق يا زادان” التي تعني ” موت موت يا زيدان” اكتسبت شهرةً عالية وأصبحت ترند في وسائل التواصل الاجتماعي وأثرت في رأي الكثيرين وذائقتهم الفنية أو حتى ابداعهم الشخصي، مقالات وأغانٍ وبرامج تلفزيونية ساخرة نتجت عنها.

هل العبارات الحائطية، نوع من الابداع؟

2
رأي المغردة وكاتبة المحتوى خناس.

إن سألتني عن ماهية الابداع، سأخبرك أنه أي فعل انساني يتخذ رونقاً ما، يكون أصيلاً، وينقل مكنونات النفس البشرية بأفضل الطرق ويعبر عنها تعبيراً حقيقياً، وهناك فروقات تجعل من المبدع مبدعاً مختلفاً عن البقية الباقية الذين يعبرون عن ذواتهم بالفعل ذاته، فهنالك الكثيرون من صنّاع القهوة…ولكن الأسطى الحقيقي الذي يصطف الرواد عليه هو ذلك المبدع الذي بينهم.

إنني لا أتناول هنا جميع أنواع الحائطيات كرسم الجرافيتي، بل أتناول الحائطيات البسيطة التي تتخذ من العبارات والرسائل والكلاميات التي يرسلها أناس في أغلبهم لا يعرفون ماهيات الرسم أو الأدب، وللإجابة على السؤال المطروح، قمتُ باختيار مجموعة منها مرت عليْ ولفتت انتباهي طيلة السنين الماضية ولن أجيب على السؤال، بل سأترك للقارئ مجال الإجابة.

الرجاء عدم التبول هنا يا إنسان، رسائل توعوية.

بيبسي
جدارية تقول الرجاء عدم التبول هنا يا إنسان، حي الظهرةطرابلس، 2013.

في منطقة الظهرة وفي زقاق مقابل لمتحف ليبيا ويمر بجانب المعهد الثقافي الفرنسي، في 2013 لفتت انتباهي عبارة مكتوبة على الحائط كانت الرسالة فيها واضحة لسببين….أحدهما هي الرائحة النفاذة التي تخرج من الجدار، رائحة بول بشري متراكم على مدى أيام يدل على أن الجدار يستخدم كمرحاض عام للسكارى، أبناء الليل والمتعجلين وعبارة غاضبة رغم رقييها في التعبير… وقفت أمامها أتفحصها لدقائق، كانت تقول ” الرجاء عدم التبول هنا يا إنسان” كان عن طريقها صاحب العبارة يحاول أن يصل إلى درجة من التفاهم مع المتبولين ويخاطب عقولهم لكنهم لم يستجيبوا له ربما، لذلك …وبجانبها كانت هنالك عبارة أخرى بها رسالة شبيهة لكن قد حوّل صاحبنا فيها الرسالة إلى ” حيوان” بدلاً من إنسان، الغريب…أن الحائط المكتوب عليه ” يا حيوان” كانت رائحة البول فيه شبه معدومة.

تتوالد هكذا رسائل تعبيرية في الحيطان الليبية بعمومها، عبارة ترجو منك أن لا تلقِ بالقمامة بجميع الصفات والرسائل التي قد تنادي فيك حساً ما، بعضها يصل إلى مستوى الشتيمة الشخصية والبعض الآخر في مستوى البذاءة، عبارات تنادي الناس للتوقف عن الجلوس في مكان ما مقابل مدرسة ثانوية للبنات واحترام ” بنات الناس” وعبارات أخرى تنادي مدمني المخدرات أن يتوقفوا عن تعاطيها في مكان بعينه واحترام ” كبار السن والعجائز”، ولكن أكثر العبارات التي شدت انتباهي والتي تتعدى التوعية والتحذير إلى التهديد…كانت تقول ” من يضع القمامة هنا… يعرض نفسه للرصاص”…ستجدها قد تركتها القمامة لأيام وأسابيع ولم تزرها، بل بدت نظيفة منذ أن كتبت تلك العبارة فيها.

It’s all good here, we have weed، دعاية وإعلان.

يمكن اعتبار الحائطيات وسيلة إعلان الطبقة الكادحة، تلك الطبقة التي ينكر العديد من الليبيين وجودها، يمكنك أن تجدها على الحيطان ” ورشة سيارات” و” محل نجارة” و” رافعة سيارات” على مدى الطريق في أي مكان بالعاصمة الليبية، ولكن إحداها التي لفتت انتباهي كانت في طريق قرقارش حيث الأزقة المفضية – أو التي كانت كذلك- إلى أسواق المخدرات والخمر الممنوعة، كان يمكنك أن تشاهد عبارات عدة داخل السوق، عبارات عن ” حلاقين” للسود الذين يقطنون المنطقة، عبارات تخبرك أنه ” لدينا حشيش” وأخرى بإنجليزية ” إن كل شيء على ما يرام هنا، لدينا حشيش” وهكذا تستمر الحائطيات الليبية في دعوتك لمنتجات وخدمات بعضهم يترك رقم هاتفه للاتصال به لتتحصل عليها.

ومن الجداريات/الحائطيات المشهورة في مجالات ” الدعاية والإعلان” هي تلك المخصصة للأعراس والعزاء والتخصيص بين ” عزاء الرجال” و”عزاء النساء”، تعدد كل هذه الأنواع من الجداريات يوضح سهولتها وقوة وصولها إلى الجمهور الذي يستهدفونه، كأنهم بدون وعي يعرفون عقلية زبائنهم أو مرتاديهم ومواءمة شكل الدعاية مع العمل نفسه، فما الذي ستحتاجه ورشة مليئة بالتعب، الشحوم، الأطراف الحديدية، قطع الخردة والسيارات العاطلة في لافتة براقة؟ وما الذي يحتاجه عزاء في أن تصرف عليه لتدل الناس إليه؟ هكذا هي الأفكار التي تراود أصحاب هذه الدعايات الحائطية الذين لا يفكرون في كونها ” ملوثة بصرية” أو ضد أياً من قوانين قواعد الآداب العامة أو قوانين الدولة ( غير الموجودة).

زوجوني من الجماعة، مع حبي وأشواقي،  عن المشاعر المختلطة والمشاركة.

قد يبدو الأمر من الكليشيهات عند الحديث عن الجداريات المليئة بعبارات الحب والشوق والحنين، لكن الجداريات الليبية تمتلك نكهة مميزة، فالجدار هو مكان يمكنه أن يسع لجميع الآراء…فيمكنك أن ترى أحدهم يكتب ” نحبك يا مروة” فتجد أحدهم يرد عليه ” يعطيك حبة انت وياها” وهكذا تسترسل العبارات المختلطة حول الموضوع نفسه في الجدار ذاته، وقد تلاقيك عبارة حب مليئة بالشتم والسب للحبيب كأن ” نحبك يا فاطمة ..يلعن بوك”.

2
رأي الطبيبة “الزهراء النعاس” عن الجداريات الليبية.

من خلال المتابعة لوسم (هاشتاق) #جداريات_ليبية على تويتر قد لفتت انتباهي إحدى الجداريات التي تقول ” مانيش طحلوب…لكن استاحشت القايد” العبارة التي أصبح يرددها كثير من الليبيين المناصرين – أو كانوا كذلك- لثورة فبراير، هاهي المشاعر المختلطة في حلتها السياسية.

يمكنك أن تجدها في حلتها الدينية أيضاً بحيث تواجهك جداريات تشتم جميع التيارات والطوائف الإسلامية المشهورة الآن في البلاد و”البعيدة عن الإسلام”، والحلة الوطنية التي تندد بالوطن المليء بالخونة وتكره الحياة داخله، وجداريات تندد بأحد الأطراف تقول ” لا كرامة لمن لا كرامة له” تتضح للبعيد عن المشهد السياسي والحربي الليبي كمحاولة لتفسير الماء بالماء، هكذا هي الجدارية الليبية أقوى وأكثر تعبيراً من (حائط الفيسبوك) يمكن للجميع المشاركة فيها وإبداء أراءهم فيما هو مكتوب….بل إن بعض هذه الجداريات قد تملأ ورقة كاملة إذا ما كتبت.

مدرسة للبيع، المدير مجاناً، كوميديا سوداء؟.

وتبقى الجداريات الملاذ الآمن للكوميديين والمأخوذين على أمرهم يعبرون فيه عن ما يجول بخواطرهم ولا يتوقف ذلك عن فئة عمرية معينة، حيث تبدو التعليقات الساخرة والضاحكة هي كل ما يملكه الليبيون من سلاح ضد الأيام وما تأويه في جعباتها اتجاههم، فهاهو أحد تلاميذ مدرسة ابتدائية يكتب عبارة بها من الكوميديا السوداء لو تم تحليلها ستجد بها العشرات من التعبيرات ” مدرسة للبيع، المدير مجاناً” ليكشف عن حال التعليم، التربية…وربما عن رأيه الشخصي في المدير، أول ” أصحاب السلطة” الذين يصطدم بهم.

dav
جداريتان في جدارية واحدة، تاجوراءليبيا، عدسة هاتفي النقال Sony Z1– 2017

آخر ينادي بسقوط ” الرئيس القادم” الذي لا يعرف عنه شيئاً ولكنه يتنبأ ربما بأنه لن يختلف كثيراً عن غيره من من يعتلون قمة العرش السياسي،  وآخر يكتب ” عايش في ليبيا حشاكم” لتعرف عن كمية الكوميديا السوداء التي يمتلكها المواطن الليبي.

 

 

 

 

إنهم يروننامن حيث لا نراهم، يقرأون أفكارنا، رسائل مشفرة ونبوءات.

2
إحدى الجداريات الليبية التي بعثها لي صديق.

” جايكم يوم منيك… شدوا رواحكم”، هي نبوءة تحمل بذاءة الواقع في داخلها كتبها أحدهم يعبر فيها عن قراءته وتحليله للواقع الذي يعيشه الليبيون كل يوم، غير هذه النبوءة تبدو بعضها غريبة المحتوى والمعنى، فعندما تكون متجهاً في الطريق السريع إلى الغرب وتقرر أن تدخل حي زناتة السكني فستجد على سور مداه 10 أمتار رسائل مشفرة مفادها أن هناك كائنات تراقب الموجودين، كتبت العبارات بلغة عربية منذرة ” إنهم يقرأون أفكارنا” ومحذرة ” يروننا من حيث لا نراهم” ويبدو أن هذه الكائنات التي لا يصرح بها صاحب الجدارية (ربما لإدراكه بأن الجميع يعرفون اسمها ولكن لا يريدون الإفصاح به) تعرف كل شيء عنا، مستقبلنا، ماضينا،ـ أسامينا…تخطط للسيطرة علينا وهي التي تسير أمور البلاد.

ثوار الجبل كانوا هنا، تخريب المعالم الأثرية؟.

20120501_143724
آثار مدينة صبراتة، التقطت الصورة بعدسة هاتفي النقال Samsung Glaxy S2، 2012.

في رحلتي إلى المعالم الأثرية في ليبيا والتي قمتُ بها صحبة مجموعة من الأصدقاء في 2012 وجدت معلماً جديداً تشترك فيه أثريات لبدة، صبراتة وجبل نفوسة التي قمتُ بزيارتها، هي أنّ الجداريات الليبية قد حطت رحالها فيها حيث تمكن مجموعة من الناس الموالين للثورة الليبية بكتابة نصوص وعبارات تعبر عن ولائهم، وجودهم في الأماكن التاريخية بل وبعضها يذكر المدن والمناطق التي أتى منها هؤلاء، وفي عام 2016 قامت مجموعة أخرى بالتخطيط والكتابة على حيطان كهوف أكاكوس لتطمس رسوماً تاريخية عمرها أكثر من 10 ألاف سنة تسرد وتوثق الحياة الليبية في الصحراء الكبرى آنذاك، هذه ” الرسوم” التي تعد بدايات الجداريات الليبية ( إن لم تكتشف قبلها رسوم) حيث كان الانسان الأول يجد من حيطان كهوفه والأماكن التي يقطنها الملجأ الوحيد ليعبر عن نفسه.

akakospinturasrupestres2
أولى الجداريات الليبية، جبال أكاكوس.

وقبل أن يتم طرح سؤال بديهي جداً : هل تعد هذه العمليات عمليات تخريبية أم لا؟ – إذ أنني أعتقد بأنها كذلك رغم اعتقادي الجازم أيضاً بوجود أناس يظنونها أمراً عادياً وربما يتعدى لكونه حرية تعبير- يجب طرح سؤال آخر : إذا كانت الجداريات الليبية على المعالم التاريخية أمراً غير قانوني – وهي كذلك بالتأكيد- هل يعني ذلك أن كل الجداريات هي أمر غير قانوني ويتوجب محاسبة الفاعل أيا كان الحائط: حائط حكومي أو حائط لجهات خاصة؟ وكيف يمكن أن نفصل بين الجداريات القانونية والتي تعد نوعاً من الفن وحرية التعبير عن الأخرى غير القانونية والمخلة بالآداب العامة؟ وما هي الآلية لمعرفة المخل بالآداب العامة وغير المخل؟ الإجابات بالنسبة لي تبدو بديهية، ولكنني هنا لا أحاول أن أعبر عن رأيي بقدر ما أن أفهم جميع الأراء بالخصوص التي تقول بعضها أنه وجب توفير مساحة خاصة بهكذا ” فن” أو ” أدب” ليتم ممارسته بحرية تامة ودون أن يضر بالمشهد العام للمدن الليبية.

عايش بلا أمل، جداريات السجون الليبية.

وفي غياب كل وسائل التعبير  كتلك التي واجهت الانسان القديم رغم اختلاف الظروف – فالانسان القديم لم يكن قادراً على الكتابة ولم يكن يعرف القلم ولا الورقة بل الأحجار الملونة والحيطان فقط- نجد نوعاً آخراً من الجداريات التي حظيتُ بفرصة إلقاء النظر على بعضها حصرياً، تلك الجداريات المكتوبة بالفحم على حيطان السجون الليبية والتي تؤرخ وتوثق لبعض مظاهر الحياة اليومية التي يعايشها السجناء، فتتضح معالم الضياع، الفراغ، الشوق، الحزن، الألم، السخرية اللاذعة في الكثير منها، وتحضرني الآن مجموعة منها تصف ما يشعر به المساجين ” عايش بلا أمل” و”حبيب رونق” بالإضافة لرسومات لاسطوانة غاز وبراد شاي، رسومات أخرى في مراكز إيواء المهاجرين غير النظاميين تعبر ببالغة ما يحلمون به وخيبات أملهم توضح بشدة قارب عليه انسان.

” يسقط الإخوان الخوارج والعلمانيين الكفرة” الوجه السائد.

ورغم وجود كل ما سبق من جداريات كتبها أبناء الشعب العاديين الذين قد لا يجد بعضهم مكاناً للتعبير عن نفسه غيرها – فاختلاف نسب المعرفة والأمية تتفاوت حيث أن الكثير من الليبيين لا يعرفون كيفية المشاركة بمواقع التواصل الاجتماعي وحتى إن عرفوا فهذه المواقع لها نجومها بحيث لن تصل رسالتهم لأكبر فئة من الناس- هناك المشهد السائد من هذه الجداريات، المشهد الذي يعبر بشدة عن الشرخ الذي يعيشه المجتمع الليبي في هذه السنوات وضياعه بين الولاء العاطفي والعقلي للتيارات السياسية والمسلحة التي تملأ البلاد، فستجد في كل زقاق، كل شارع وكل طريق رئيسي، فكل الأطراف السياسية، الدينية، الفكرية والمسلحة في ليبيا هي مجرمة وبطلة في نظر هذه الجداريات التي يعمها جميعاً مظهر ” خطاب الكراهية والعداء” الذي يعبر بصفة بليغة على كم التشتت بين الليبيين.

لماذا يعبر بصفة بليغة؟ لأنّ هذه الجداريات لا يكتبها أناس ذوي ثقافة وتعليم مناسب ليظهروا على الشاشات وليكونوا نجوماً أو محركين للرأي العام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، غالبيتهم لن يكونوا كتاباً أو فنانين وربما جزء كبير منهم لم يتعدى مستوى تعليمه الثانوية العامة.

وهذا يجعلنا نصل إلى نقطة أخرى مهمة هي:

الجداريات كوسيلة للتأثير في الرأي العام والسلوك البشري، وانعكاس للشارع.

3
رأي ” سيدة عادية”، مدونة.

من الفقرة الخاصة بالتوعية (والتحذير) يمكن معرفة أن لبعض هذه الجداريات قوة للتغيير من سلوك البشر المحيطين حيث أن عبارة ” يمنع وضع القمامة وإلا تعرضت للرصاص” كفيلة بأن تجعل المكان المكتوب تحته العبارة نظيفا وعبارة ” يمنع التبول هنا يا حيوان” كفيلة بتقليص عدد المتبولين – خصوصاً أن البعض سيظل يبول غير آبه إن نعت بالحيوان أم لا- ، وجداريات أخرى من قوة رسالتها السياسية والدينية والفكرية تجدها تمسح مرات وتستبدل في أحيان أخرى بعبارات موالية للطرف الذي كانت موجهة ضده كإحدى الجداريات التي تقول ” يسقط الإخوان المسلمين” تجدها تتحول بعد شطب الكلمات الأخيرة إلى ” يسقط حفتر” أو العكس، هذا يعني أن هذه العبارات المكتوبة بكل عفوية وفي جنح الليل لها إمكانية التأثير في الناس، إذا لا يخشى أبداً من لا أثر له.

11
رأي القاصة والمغردة Lule Gharib

وإن كانت هذه الجداريات كذلك، هل يجب تقنينها؟ وما حالة التقنين التي ستمر به؟ الضوابط والتشريعات؟ وهل إذا وضعت قوانين تحظر بعضاً منها كخطابات الكراهية أو التهديد أو المليئة بالعبارات ” البذيئة” سيتم التخلص من العشوائيات ومن إخلالها بالآداب العامة وتعديها على معاني ” حرية التعبير” وخروجها من تعريف ” الابداع”؟ وما الضامن أن لا تخرج هذه الجداريات المحظورة كوسيلة لمقاومة التقنين وكنوع من حرية التعبير التي دائماً ما تحن إليه النفس البشرية وتكرهه في الوقت ذاته، فالقاعدة تقول ” كل محظور…مرغوب” وأن تجد متعاطين للمخدرات والكحول وللجنس خارج نطاق العلاقات الشرعية في البلاد هو خير مثال.

5
رأي المدونة ريميةصاحبة مدونة بنت إبراهيم.

وهي أيضاً انعكاس لمستوى التعليم، التربية، الذائقة الأدبية والفنية، الحالة الاجتماعية والسياسية التي تربى عليها المجتمع الليبي ويمر بها، فالأخطاء الإملائية التي تعج بها الجداريات ماهي إلا انعكاس لضعف التعليم والاهتمام باللغة العربية في المؤسسات الحكومية التي أخرجت (الجداريين)، وطريقة التعبير أيضاً انعكاس ورد فعل على طريقة التربية والحياة اليومية التي يعيشها المواطن الليبي منذ طفولته حتى يوم كتابته لجداريته، وهي تعبير على رد فعل حيال القضايا التي أثرت ولازالت تفعل في مسار حياته.

وأقل مثال على قدرتها على التأثير وانعكاسها للمجتمع هي الجدارية التي أثارت جدلاً في أوساط مواقع التواصل الاجتماعي ” أنقطوا ما تبقى من شباب ليبيا” والتي أراد صاحبها أن يرسل رسالة ” لإنقاذ شباب ليبيا” فانهالت التعليقات المحللة والساخرة وأنشأ المغردون وسماً يدعون فيه بطريقة ساخرية ” لإنقاط اللغة العربية”.

إذاً هل تعد الجداريات الليبية نوعاً من الابداع؟

1
رأي المترجمة والقاصة رؤيا شعبان.

وفي استطلاع رأي أجريته على تويتر لأعرف أراء المغردين – اخترت هذا الموقع لسهولة إجراء هكذا استطلاعات فيه ولقابلية تفاعل رواده معه، بالإضافة إلى كونه حاضناً لعينة جيدة من المتعلمين والمثقفين والناشطين في المجتمع المدني والمؤثرين، ولو أنني أبحث عن أراء الشريحة العامة من الشعب-، فكانت الإجابات تختلف وتتراوح فيما بينها، بين من يعتبرها جميعها عبارة عن تلوث بصري وجب اتخاذ إجراءات قانونية حياله، وبين من يعتبر ” بعضها” فناً وأدباً يجب أن تكرس مساحات خاصة لممارسته مع وضع معايير لغوية، أدبية وفنية له، ومن يرى أن على الدولة أن تحظرها فقط في المؤسسات العامة والملك الخاص والأماكن ذات القيمة الأثرية، الدينية، الثقافية أو ما شابه، وهناك من يرى أنها ” أسلوب تعبير شعبي” يعكس الشارع ومصطلحاته وعقليته رغم عدم قانونيتها، وأنها أسلوب تعبير مبتكر يستحق التأمل رغم التشويه الذي يصيبه في بعض الحالات.

حيث يقول محمد السنوسي، وهو طالب علوم سياسية وأحد الشباب المثقف أنّ ” الجداريات نوع من أنواع الفن، نعتبر فيها أدب الشوارع وأدب الثورة بس ليها مناخها الخاص مش تجي تكتبها على سور مدرسة أو على حائط مؤسسة……نتمناها تكون عمل يجسده الفنانين مش مجرد تخطرلك فكرة وتخربشها وتم”.

6

7

8

جزء من حوار جرى بين ريميةومحمد السنوسيحول تقنين الجداريات.

1
رأي “احمد الدهماني” منتج أفلام ومغرد.
4
” مرات تتأثر بيه الكلام المكتوب، ومرات تقعد غير تضحك”- احمد الدهماني.
5
نتيجة استطلاع شارك فيه 104 مغرد بخصوص الجداريات الليبية.

لإلقاء النظر على “جداريات” ليبية أخرى يمكنك متابعة وسم #جداريات_ليبية على تويتر لتحكم بنفسك هل يوجد ابداع داخل الكلمة المكتوبة على الجدران أم لا.

ولكن رغم كل الآراء المتضاربة حولها، تبقى الجداريات الليبية امتداداً – كأغلب معالم الثقافة الليبية- لذلك الفن والأدب الشعبي غير المقنن بقوانين أو تسميات التي اصطنعها أجدادهم منذ أكثر من 10 ألاف سنة مضت، توضح أن هناك دائماً رغبة في التعبير عن الذات بأية طريقة تسمح الظروف، سواء اعتبرت هذه الطريقة تشوهاً بصرياً ومنظراً غير حضاري وسواء اعتبرت ابداعاً يعزز من مناخ حرية التعبير الذي اختلف الناس فيه تعريفه.

 

Advertisements

علّك تترك تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s