الحب، البالونات وسيارة الآيس كريم- قصة قصيرة.


الحب، البالونات وسيارة الآيس كريم. قصة

WarPaintings126

(ء)

في المقهى يجلس مرتدياً قميصاً أبيضاً به رسوم متكررة لعجلة ملاحة السفن، سحنته لم تكن يوحي أبداً أنه قد ركب زورقاً في حياته بل على العكس من ذلك، بدى لون جلده أبعد من أن يكون قد خالطه ملح البحر يوماً، كان ثلاثينياً من أبناء أغنياء الحظ يدخن من النرجيلة واضعاً يده اليمنى على خشب الكرسي القديم يحركها عندما يتحدث دائماً وينظر نظرة متفحصة لخلفه كل هنيهة كأنه ينتظر أحدهم، جلده المنتعش أعطى للضوء الذي يتسرب بين أدخنة النرجيلة المتصاعدة براقاً، قال وهو يستنشق نفساً واسعاً من الخرطوم البلاستيك ممسكاً إياه كأنّه أحد أبناء الشراكسة:

  • الأمن والآمان… نعم أعرف عن ماذا تتحدث، لقد كانت لديْ سيارة فاخرة اشتراها لي أبي هديةً لنجاحي في الثانوية العامة، لم يكن هناك مثلها في البلاد…أقول لك، كانت أولى السيارات من نوعها التي تحط بدواليبها طريق المطار، كنتُ أدور بها الأماكن كلها…عرفها الناس في المدينة وكان يقفون لها تحية احترام في الطريق، كنتُ أرصفها حيث شئت وأتركها لساعات لأجدها كما تركتها، وفي أحد الأيام قد نسيتُ أن أطفئها بعد أن ركنتها- فقد اعتقدتُ أنني لن أغيب طويلاً إذ لطالما فعلتها…أركنها، أدع المحرك يدور، أدخل المول، السوق أو إحدى تلك المقاهي التي أرتادها لأجدها لازالت في مكانها- ودخلتُ لسوق المشير كما أتذكر لأشتري بعض الحاجيات، لا أتذكر ما كانت…ربما نوع من القماش فقد كنتُ في ذلك الوقت على مشارف الزواج، سوق المشير سوقٌ شعبيٌ والأسواق الشعبية مزعجة…أحياناً تجد ضالتك في ثوانٍ وأحياناً أخرى يتعين عليك أن تتفحص كل تفاصيلها وتسأل الباعة وأبناء الأزقة وقد تخرج منها بخفيْ حُنيْن، ذلك اليوم كان أحد تلك الأيام التي أمضيت نصف ساعة في السوق أبحث عن ضالتي دون فائدة، أتذكر أنني أشعلتُ سيجارتيْن أو ثلاثة أيام كنتُ أدخن، أما الآن فقد تخلصت منه، نسيتُ أمر السيارة التي كانت لازالت مركونة على الرصيف ومحركها يدور والبنزين يُحرق، عندما فشلتُ في إيجاد كنزي قررت أن أجلس في مقهىً أعرفه، طلبت قهوة…وحدقت أنظر في المؤخرات الملتصقة بسراويل الجينز، ذلك العام كان أول عام تخرج فيه صيحة السراويل الملتصقة لذا فقد كنا نستمتع نحن الشباب باكتشاف أجساد الفتيات والمدامات أيضاً، جالساً احتسي قهوتي…عينايْ تبحث عن هدفٍ تركن فيه، أذنايْ تنصت لهتافات البائعين وطرقات النحاس في السوق والأحاديث الجانبية بين رواد المقهى، وعقلي يفكر في ضالتي..أين أجدها؟ وسيارتي الفاخرة لم تزل مركونة على الرصيف ومحركها يدور، هل تصدق؟ جلست في المقهى نصف ساعة أخرى ومن ثمّ التقيتُ بصديق لي تذكرت أن والده كان يملك أحد محلات الذهب في السوق، احتسيت ما تبقى من قهوتي بسرعة ونهضت أستدرك فكرة زيارته حتى لا أنسى، نعم كنتُ أنسى كثيراً… ووجدته في محل والده يبيع لإحدى المدامات، كان نهدها رائعاً يظهر من سترة قطنية بها رسم قبلة حمراء، عندما خرجت من المحل مبتسمة قال لي أنه قد تحصل على رقم هاتفها المحمول، ومضى يحكي لي مغامراته مع زبوناته، تحادثنا وضحكنا وقال لي أنني لن أجد ضالتي في السوق لأسبوع على الأقل، ” سأخبرك متى تمُرْ عليْ” هي العبارة التي ذكرتني بسيارتي، تساءلت ” هل أطفأتها؟!” لم أكن أريد أن أتصل بأحدهم ليشتري لي بنزين إذا تركت محركها يدور وقد أنهى البنزين، خرجت من السوق لأجدها مرصوفةً كما تركتها دون أن تتحرك مقدار شينترو واحد والمحرك لايزال يدور.

التفت مرة أخرى للخلف، أشّر بيده ناحية عامل زنجيْ كان يعمل ” ولعة” في المقهى، تأفف… أطلق سبة خفيفة كأنه يقصد العامل المهمل.

  • والآن؟!
  • الآن؟! هاهاهاهاهاها… لقد سرقوا سيارتي، بالأحرى فقد أنزلوني منها، وجهوا كلاشن في رأسي وقالوا لي ثلاث كلمات فقط: انزل…للخلف، المفاتيح؟! لكن أتعلم؟ أحمد الله أن حدث الأمر لي، لم أكن لأستيقظ من غفوة زماني.

(ا)

– لماذا تريد أن تعرف عن الأمن والآمان؟. قال الرجل الذي كان يقضم أظافره.

– أنا صحفي…

– عن ماذا ؟ قال الآخر السمين.

– رأيك!

– حسناً…

أشعل سيجارته، احتسى ما تبقى من كوب قهوته الورقيْ، كان الكوب بارداً بين يديْه…من حالته لابد أنه استقر على الطاولة في لساعة، جلس رفيقه يراقب يأكل أظافره بيديه المليئتيْن بالشعر أما هو فقد كانت كرشته تكاد تمزق قميصه الأزرق ويكاد صدره يخرج حصان البولو من المضمار، بحث في المكان يترصد وجوه الروّاد ثم استقرت ملامحه المزوّقة بتراب القبليْ ثم قال:

  • حسناً، عليك أن تعرف أولاً أنني لم أحب أبداً النظام القديم لأنني عملتُ في تاكسي بعد أن خرجت من الدراسة الجامعية منتظراً قرار تعييني الذي غاب عن أيامي، لذا لم أعرف الأمن الاقتصادي ولا الآمان المهني فقط لأن والدي أنهى حياته عتالاً…هذا الشعب لايزال ينكر أنه يوماً كان عتّالاً وينكر أنه بعد اكتشاف النفط ظل هنالك ليبيون يكافحون من أجل الحياة مثل والدي، ولأنّ والدي كان عتالاً طيلة حياته لم تكن هناك معارف أو نقود تحرك ملفي الراقد في سجلات اللجنة الشعبية العامة للعمل وظل طيلة حياته أجيراً، شركاء لا أجراء هذه كذبة ضحك بها علينا النظام، لذا فأنت الآن تدرك إدراكاً جيداً أنني لستُ مناصراً له ولستُ مناصراً لأحد، أيام الثورة أوقفتني بوابات النظام كما أوقفتني بوابات الثوار تبحث عن الحشيش، السلاح، القنابل الإرهابية، الزنوج الحالمين بروما أو المصريين العاملين لابتزازهم، لم تمر عليْ بوابة واحدة في حياتي ولم تبتزني، أنت سائق حمار الوحش فرد من سفالة البشر في المجتمع كما كان أبي سائق الحمارْ قبلي، أعرفهم جميعاً…واحداً واحداً، الأمن الذي تحكي عليه هذا شربت مرارة كأسه كل يوم ولازلتُ أشرب، أنا صايع، حثالة، مهرب مخدرات وزنوج وعامل في الدعارة أوقات الفراغ…هكذا كانوا ينظرون إليْ خطراً من الأخطار على أمنهم وآمانهم، ولولاً آية اللهم اجعل هذا البلد بلداً آمِناً التي أضعها في سيارتي لم يكونوا ليثقوا حتى في جنسيْتي، ولكن يا رجل… يا رجُل! لم أعد أتمكن حتى من تحصيل لقمة عيشي فقط لأنني كنتُ أعمل في منطقة لايزال يتحارب عليها الثوار حتى الآن، مضت أشهر لم أتمكن حتى من إيجادي 5 دنانير تنتظري لأقلها في الطريق إلى وسط البلاد…ماذا تريدني أن أخبرك عن الأمن؟ اذهب واسأل النوبيرا – وأشار باصبعه إلى سيارته المرصوفة أمام المقهى- وستخبرك هي عن الأمن والآمان، انهض… تعال معي واسأله: يا نوبيرا… هل قبلت كراسيك مؤخرة فرنسية من قبل؟ سخبرك أن نعم يا استاذ، ومن ثم اسألها ” هل تتذكرين طعمها؟” ستقول لك لا! ولا تتجرأ أن تسألها لماذا، لأنه قد تسبك قائلةً بأن الأمن والآمان غادرا البلاد يا ابن القحبة!

ظل صديقه يقضم أظافره ويتفلُ في الأرض محدقاً.

  • وأنت يا أخ، ما رأيك؟
  • لا شيء.

لكن عيناه أخبرتا بمدى الشك في رأسه ولو أنه تجرأ على الحديث كان سيقول أشياء مثل هل أنت جاسوس؟ أعرف أمثالكم… أنتم تبيعون المعلومات، لن أخبرك بشيء…وإن كان صديقي غبياً حتى يفرغ ما في صدره ولكنني أعرف ما لا يعرفه!

(ب)

  • نعم، سمعت عن أبي يوماً يقول بأنه كان يرتدي بزةً زرقاء يوماً يبحث في أزقة حينا عن الخروف أحد السارقين الذين يقفزون لمنازل الناس عندما يسافروا إلى العطلة أو يذهبون للبحر تاركين المنزل في حراسة الله، هل تعرف يا عماه أنّك إذا ألقيت رغيفاً في الطريق فعليك أن تقبله حتى لا يشتم رائحته الشيطان، تفعل هكذا… تمسح التراب، ترفع يدك عالياً حتى تقترب إلى الله ومن ثم تقبلها وتقول ” لقد اشتمها ربي”، اليوم أخبرتني أمي أن أقولها بعد أن وجدت رغيفاً معفراً بالتراب.
  • وماذا عن الخروف؟
  • آه الخروف، لا أعرف بماذا يدعونه الآن: هل الذئب أم الخروف؟ قال أبي أن النّاس سموه الخروف لأنّ أولى سرقاته كان كبشاً حاول أن يهربه من منزل الحاج عبدالسلام الذي سافر إلى تونس، هل تونس بعيدة يا عماه؟ قال أبي أنّ الحاج عبدالسلام سافر إلى تونس ولم يعد حتى الآن، استغل الخروف غيابه وسرق الكبش لكنه وجد أنّ الباب الحديدي لبيت الحاج كان مقفلاً من الداخل بسلسلة حديدية طويلة الذراع، لم يترك الكبش بل حاول أن يجعله يتسلق معه السور الذي تسلقه هو ليدخل إلى المنزل، لكنني لازلت حتى الآن لا أعرف هل كان ذلك قبل أن يتسمى بالذئب أم بعدها، أبي يقول أنّه أطلق على نفسه الذئب بعد الثورة… هل تحب الثورة يا عماه؟ أنا أحب الثورة، خالي يحب الثورة…إن لديْه أسلحة كبيرة هكذا – وفرد ذراعيه إلى أقصاهما- عندما أكبر سأكون مثل خالي ثائراً، لكنّ أبي يقول أنّ الثورة قد طردت الأمن والآمان، يا تُرى أين ذهب الأمن؟ إنني أعرف لون بزته لأنّ أبي شرطيْ، لم يعد أبي يرتديها لأنّ الذئب صار هو الأمن في حينا، إنّ لديْه صوف فوق رأسه، الصوف نفسه الذي يجعلني لا أعرف هل هو الآن خروف أم ذئب، رأيت الذئاب في الرسوم المتحركة…لم يكن لديها صوف فوق رأسها، لها أنياب وشعر مثل شعر أمي الحريريْ، لقد صار الخروف يرتدي سروال جينز ويجلس طيلة الوقت في سيارته الوطواط ويضرب السلاح في السماء في القيلولة وفي الليل، لديه سلاح مثل سلاح خالي.

(ت)

  • هيه أنت! ماذا كنت تريد من الفتى؟
  • لا شيء.
  • ما هذه الكاميرا ولماذا كنت تصوره؟
  • أراد صورةً فأخذتها له.

أخرج سلاحه من سيارته المركونة بمنتصف باحة الحيْ، ثم قال:

  • حسناً… سأسامحك هذه المرة، منظرك يوحي أنك رجل طيب ومحترم ولذلك سأسامحك لكن لا تعيدها وإذا وجدتك بهذه الكاميرا هنا مرة أخرى سأفعل أشياء أكثر من أخذها منك، هل فهمت؟
  • نعم..
  • اتكل على الله.

(ث)

  • عماه، هل تريد شراء سلاحاً يا عماه؟

كان يقف في زاوية يستظل بالشمس، وشوش بالكلمات وبصوت شخصية كرتونية طفولية.

(ج)

  • الأمن والآمان هو أن أقبل حبيبتي على راحتي دون وساوس، هل تعرف أي مكان في هذه البلاد يمكنني فعل ذلك فيه؟ بحثت في كل مكان، في البحر، في الطرقات النائية، في الأزقة المخفية، لقد كان لديْ مخبأ جيد أختبئ فيه مع شفاهها وجسدها المرمريْ إلى أن فقدته…لقد قام أحد الجيران باخبار شرطة الأخلاق الجديدة وكاد يفضح أمري، ولو أننا حبنا تأخر قليلاً لكنت سترى قصتنا منشورةً في الانترنت، أين أقبلها؟ لا أعرف!

(ح)

  • لقد أصبحت كصورة فوتوغرافية تضعها زوجة غنية لتزيين منزلها، لم يعد أحد يحترمنا… وضوعوني فقط ليظهروا للناس اهتمامهم بي، كان هنالك زمان يخشاني فيه الجميع، أوقف أحدهم لأجدهم يرتدي شبشباً فأخلافه، عندما يجدون أمثالي في الطريق يضعون الأحزمة ويبتسمون ويقودون سيارتهم بأدب، أما الآن؟ مهزلة…أخبرك، كنتُ في نهار جحيمي أرتدي بزتي البيضاء التي سهرتُ الليل أمرر الحديد عليها، حلقتُ الشعيرات التي نثرت في وجهي بعد أن أودعت جسدي لماء فاتر، استعملتُ شامبو على جميع أعضاء وحلقت الشعر الذي ينبت في عانتي وبين إبطيْ، كانت زوجتي تعدُ لي إفطاري المفضل، بيض مسلوق، شايْ بالنعناع وماء الزهر، ووجهها في الصباح تردد خلف فيروز، أتذكر أن جسدي مر في ملابسي كاليوم الأول الذي قبلت فيه في كلية ضباط الشرطة، خرجتُ من المنزل يملؤني الأمل، كان ينتظرني زميلي في العامل، كانت الساعة الثامنة صباحاً، الهواء في طرابلس يغريك لقتل الكآبة في الصباح… اشترينا علبة سجائر وكوبيْ قهوة من مقهى بشارع البلدية، كان الجو حميمياً في المقهى الذي نادى صاحبه عليْ قائلاً ” تفضل يا افندي.. ربي يحفظكم يا أولاد” وحلف يميناً بالله أن لا ندفع ثمن قهوتنا مخبراً إيانا أن رؤيتنا بقيافتنا وملابسنا الرسمية تحتم عليه أن يضيفنا، مرت الساعات الأولى كما يجب رغم القليل من المنغصات، إحداهنّ تحاول أن تتخطى الإشارة الحمراء أمام ناظريْنا، زمامير السيارات المقلقة والمحتجة عند اقتراب الإشارة الخضراء، أحدهم يعرقل حركة الطريقة عندما يحاول أن يلتقط الأنفاس الأخيرة من الإشارة الخضراء فنوقفه ليعرقل سير الجهات الأخرى، مشاكل بسيطة واعتيادية…ولولا وجودها لما كان لوجودنا من معنى، عندما اشتدت الظهيرة وأصبحت الشمس حارقة، سلمني زميلي الشارة وقال ” سأشعل سيجارة في السيارة وأعود إليك…تعبت وعليْ أن أرتاح قليلاً، دورك هو التالي، وياليته كان دوري! الظهيرة هي أشد مراحل العمل إرهاقاً، سيل من المتعجلين، رواد الأعمال وأصحاب الملايين الافتراضيين يريدون أن يلحقوا بأعمالهم المهمة، أنت تعرف هذا الشعب…إنه دائماً متعجل، المشهد لم يعد يحتمل مأساوية أكثر تغلغلاً من التي كان عليها، إحدى السيارات كانت Jeep من تلك السيارات الأمريكية العالية لم يكن بها شيء آخر سوى السواد…قرر سائقها أن يجتاز الجميع بعد أن ركب بالدواليب على الرصيف وأسرع ليفتح القفل لنفسه بعد محاولاتي العديدة لجعل الطريق مستقرة، أوقفته…كان لزاماً عليْ أن أوقفه وإلا سيصبح الأمر سيئاً جداً إلى تلك الدرجة التي لن أتمكن فيها وزميلي من حله، عندما نفخت بصفارتي في زجاج سيارته المعتم وأشرت له بيدي بأن يتوقف، قرر أن يتحرك أسرع اتجاهي وحمداً لله أنه كان لي متسع من الوقت لأتفادى ضربته، أراد أن يترصدني، لم تتوقف صفارتي ونداءاتي له، توقفت سيارته بعد أن تمكن من الخروج من زحمة القفل ومن ثم خرج، كان كائناً غريباً… شعره ووجه يشبهان الخروف، أخرج مسدساً من خلف ملابسه وصوبه اتجاهي واتهمني بعدم أداء مهامي جيداً وسب لي أم وزوجتي وبناتي وأخواتي، كاد يطلق عليْ الرصاص عندما سمعتُ صوت زميلي ينادي عليه ” خير يا ذئب؟!” فقام صاحب الشعر الخروفي بشرح المسألة من وجهة نظره ” ابن القحبة لا يلقِ بالاً للرجال” ومن ثم نادى زميلي باسمه، كان ابن خالته أو ابن عمته، قال له زميلي ” سامحه…الولد لينا، وهو طريْ ولا يعرفك وإلا لما فعل فعلته” وبعد أخذ ورد منه والسلاح موجه اتجاهي، هدأ سعار الذئب وقال ” حسناً… سأسامحه لأجلك هذه المرة، ولكن عليْ أن لا أرى وجهه يرتدي بزة المرور مرة أخرى وإلا سيكون لي تصرف آخر معه” ثم وجه حديثه إليْ ” لتعرف أننا أبناء ناس”، منذ ذلك اليوم… حرقت بزتي، وانتظرت فرج الله.
  • ما الذي فعلته بعدها؟
  • لقد صار زميلي يعمل مع ” الذئب”، توسط لي عنده… عندما رآني واقفاً أمامه قال لي: أنت الذي أوقفني ذات مرة في الإشارة المرورية؟ لم أجد أية كلمة لأجيب عليه بها، قال لي: لا يهم، ولتعرف أنني أخشى من قطع رزقك، أنت تعلم قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق يقول الرسول، لذا ستعمل عندي.

(خ)

كانت واقفة بجانب عامود الكهرباء المقارب لإشارة المرور، ترتدي محرمة سوداء تتخللها بعض من الأزهار الحمراء وعباءة خليجية تبدو فيها مع بياض بشرتها الشاحبة كالحوت القاتل، عيناها المطفأتان تكادان تنضبان من آثار الدمع، تحمل لوحةً بها صورة شخصية لطفل كُتب فوقها ” مفقود” وفي الأسفل رقم هاتف تلفون لأية معلومات، تمر بجانبها السيارات وأصحابها المتحيرين الذين كان بعضهم يأخذوها على أنها شحاذة من كم البؤس الذي تحمله على عاتقيْها، تقف هنالك لوقتٍ طويل تمسك اللوحة وتوجهها ناحية زجاج السيارات تبحث بين الأطفال خلف النوافذ عن الطفل صاحب الصورة، تردد كلمات اعتادت عليها كأنها شريط مسجل ” بُنيْ…رجاءً، بُنيْ”.

  • لقد فقدتُ بُنيْ، عند منتصف النهار اعتاد أن يسمع موسيقى سيارة الآيس كريم ليخرج من البيت مسرعاً اتجاهها، إننا نعيش هناك – وأشارت إلى منزل فاره في حيْ راقٍ يطل على متحف ليبيا- تقف السيارة عند إحدى الأشجار لتستظل وتسمع موسيقاها الجالبة للسعادة كل يوم عند الساعة الـخامسة مساءً، ولأنها كانت تقف بالقرب من المنزل أمكن لبُني أن يسمع صوتها وهو يشاهد التلفاز ويسرع ناحيتي أو ناحية والده يملؤه التشويق ” سيارة الآيس كريم! أريد الآن!” ويختطف المال من يدي اختطافاً ليشتري له طربوش من نكهة الفستق، كان يحب نكهة الفستق ويفضلها على الشكلاطة والكرز والفراولة والفانيليا، أحياناً أعطيه ليشتري لي آيس كريم بنكهة الفانيليا، لم يكن الآيس كريم الخاص بالسيارة جيداً البتة لكن بني أحب الأجواء التي تعطيها له ولربما تذوقها بطريقة تخالف طريقتي، أن تسمع السيارة تغني لك وتخرج من الباب لتجدها واقفة بألوانها وسارينتها وتمثال طربوش الأيس كريم الخشبي فوقها والصور على جسدها ووقفتك رغم صغرك تحاول أن تصل للرجل الذي يرتدي القبعة والمريلة الحمراء ليقول لك مبتسماً ” كم كرة؟ ما هي نكهتك؟”، ربما كل ذلك كان ما يبعث على بهجته وحبه لها، لهذا فقد كان كما قلت لك… ينتظرها يومياً إلى أن جاء ذلك اليوم الذي غادرت فيه موسيقى السيارة دون أن يعود بُنيْ لي مجدداً يحمل الآيس كريم الذي يحاول أن يذوب ليتسرب إلى يده! لقد اشتقت له، هل يمكن قد سرقه صاحب سيارة الآيس كريم؟ كنت أفكر في الأمر ذاته، لكن السيارة لم تتوقف عن العودة لذات المكان، ذات التوقيت إلى حينا ليشتري منها بقية الأطفال، ربما صاحب السيارة متعاون مع عصابة ما وسيقتلون بُنيْ، أخبرت والده بمخاوفي، قال بأنني إمرأة متوهمة وإلا لما كان لصاحب السيارة الجرأة للعودة إلى حيْ، من سيحتاج لدراهم الآيس كريم ويمكنه أن يقبض ثمن طفلنا أضعافاً؟ هذه كانت حجته، أرجوك…أوصل صوتي للناس، دعهم يحققون مع شركة صناعة الآيس كريم واستجواب كامل سائقيها، منظر بعضهم يوحي بالجريمة، إنني منذ أن غاب طفلي أركز في وجوههم وسحناتهم وطريقة تعاملهم مع الأطفال، يبدون مريبين…أرجوك، بُنيْ….أرجوك!

(د)

تفحصت المكان لتتأكد من أن كل شيء على ما يرام، في الأفق مجموعة من الشباب يجلسون على قارعة الطريق يتضاحكون، تتحرك أعينهم خلف كل أنثى كأن مغناطيس ما داخل جسد الأنثى يجذبهم دون وعي منهم، تفحصتهم قبل أن تكمل مشيها، تنهدت، تجمدت، يداها ترتعشان، عيناها الحائرتان تبحثان في المكان عن رجل أو شيخ أو أي أحد يمكنه حمايتها من خطر داهم، برحت مكانها لدقائق قبل أن تقرر العودة من الطريق الذي جاءت منه، قالت في صوت يكاد أن يكون مجرد همهمة:

  • لم أشعر يوماً بالآمان، لقد تعرضت منذ طفولتي لحوادث شتى ضد أنوثتي، خالي كان يلمس جسدي يوحي المنظر لك من بعيد أنه يلاعبني إلا أنّ أصابعه كانت تختلس الوصول إلى أعضائي الخاصة، رجل من حينا حاول أن يغتصب طفولتي وأنا في العاشرة، عندما أصبحت في الخامسة عشرة أراد أبي أن يزوجني من رجل ثريْ لولا اختطاف أمي لي وهربي معها إلى بيت جدي حيث كان خالي يتفحصني بشهوة مقرفة يمكنني أن أحسها من عينيه، لقد أصبحت خبيرة في قراءة وجوه الرجال، حركاتهم وما توحي به أعينهم، هؤلاء الشباب تعرضوا لي أكثر من مرة ولم أعد أحتمل… أفكر بأن لا أخرج من غرفتي بعد اليوم.

(ذ)

  • يقولون أن وجهي جالب لسوء حظي، ما إن تحدث مصيبة، جريمة، حادثة سارقة أو شرف أو حتى حادث سير كنت أول إنسان يتم الاشتباه به، لقد حللت ضيفاً على جميع الأجهزة الأمنية، تم التحقيق معي عشرات المرات، حُبست حبساً اعتباطياً مرات أخرى إلى أن يتم القبض على المجرم الحقيقي، أنا مجرم فقط لأن وجهي مجرم، فكرت مراراً أن أخدشه، أجرحه وقيل لي أنني إذا فعلت ذلك فسيتم التأكد بعدها أنني مجرم حقيقي، الأمن والآمان هما أعدائي منذ أن تعرفت على سوء حظي، هل أريدهما أن يعودا؟ لا بالطبع! أنا الآن أعيش بحرية، لم يتجرأ أحد على احتجازي أو التحقيق معي منذ أن اختفيا من البلاد، الجميع يخافونني الآن، ولأكون صريحاً معك…أنا سعيد بذلك، ما الذي أحمله؟ لا شيء، هذا الشعب لا يحتاج لأن تحمل السلاح أو أن تكون مجرماً في الحقيقة ليخافك، أقول لك الحقيقة…كل ما تحتاجه هو الإشاعة والسمعة!

(ر)

  • فانيلا أم فراولة؟ – سأل أحد الأطفال مبتسماً وهو يمسك بالطربوش-، حسناً يا صديقي ماذا أقول لك؟ كل ما آمله أن يعود كل شيء على ما يرام، حرام أن يعيش هذا الجيل في خوف- سلم الآيس كريم للطفل الذي كان يرتدي شورتاً أحمراً قصيراً والدهنُ يلمع في جسده الصغير- إنهم شباب الغد، تخيل أن يكون لك جيل كامل يعيش بين دوريْ الضحية والمجرم، أحاول بقدر المستطاع أن أرسم البسمة على وجوههم، لقد سمعت بأحد زبائني الصغار قد تم اختطافه ولم يهنأ لي بال منذ ذلك اليوم، كان الطفل رائعاً بحق، عند الساعة الخامسة أتوقف في حيهم ليأتي كل يوم مسرعاً ناحيتي يحاول اللاحق بالنافذة فأقترب منه، أكون قد جهزت له طلبه… كان حيوياً، أحب دائماً نكهة الفستق، من مشاهدتي للأطفال فإن الذين يحبون نكهة الفستق يكونون عفويين ونشيطين على عكس الذين يحبون نكهة الفراولة الذين غالباً ما يحملهم الخجل على التحدث بصعوبة، أصبحت خبيراً بهم؛ لهذا أقول لك…لقد آلمني أن أسمع بغيابه عن أمه، أرى المرأة يومياً أمام إشارة المرور تحمل صورته، لكن ما آلمني أكثر هو أنها شكت في…لا يمكنني أبداً فعل ذلك! لما لا يشكون في أولئك الذين يقفون في عتبات الطريق كذاك الشاب؟ إن منظره يبعث على الشبهة بل لقد تقفيت وسمعت أخباره، إنه خريج حبوس…لقد تم سجنه مرات عديدة في جرائم مختلفة، أفكر في أن أخبر به أقرب مركز شرطة لكنهم أخبروني بأنّه يشتم الوشاة وله معارف في الدولة يمكنهم أن يرسلوا له اسمي ووظيفتي ورقم هاتفي، لذا فأنت تعرف… الذي خاف سلم، هكذا يقول الأوائل.

(ز)

  • الذي لا يفعل شيئاً لا يمكن أن يصاب بأي سوء، هذه هي نظريتي في الحياة، لذا يمكنك أن تقول بأن أمنك وآمانك الشخصي يعتمد على ما تفعله بأيامك، أعرف رجلاً قد خُطف ابنه الأيام الماضية، هل تعرف لماذا تم اختطاف الفتى؟ إنه الآن يقبع في خفايا الجماعات المسلحة لأن والده قد جمع ماله بطريقة غير شرعية… لقد بدأ الرجل مسيرته في جمع المال عن طريق الرشاوي والسرقات وأكل أرزاق الناس وهاهو الله يعيد له ما صنعه بأن يسرق ابنه حتى يستل منه كامل المال الحرام الذي سرقه، يمهل ولا يهمل…أنت تعرف ! هناك فتاة تم اغتصابها في الكلية فقط لأنها كانت ترتدي الملابس اللاصقة حتى أن نهدها أصبح له شخصية خاصة به ينادي الشباب الجائع للنيك، هذا هو الأمر ببساطة، إذا أردت أن أحكي لك قصص كل أولئك الذين يدعون أنهم ضحايا الإرهاب والاغتصاب والاختطاف وحتى الابتزاز ستجد أنهم ليسوا ضحايا البتة بل ذئاب في ثياب أغنام، الأمن والآمان لم يتغير البتة، أنا أعمل في جهاز مكافحة الجريمة والجرائم التي تأتينا قبل الثورة هي ذاتها التي تأتينا الآن، أنت تعرف برنامج الأمن والمجتمع، سراق، مجرمين، مدمنين، عاهرات، قتلة… ماذا تغير؟ لا شيء تقريباً، كل ما هنالك أنّ البعض يحمل عداءً للثورة المباركة إلى تلك الدرجة التي تجعله يروج الإشاعات لأنه يعرف أن هذا الشعب يساق بالإشاعات، ولأوضح الأمر لك دعني أخبرك بقصة أحد المجرمين، كان سائق تاكسي، يملك سيارة نيبرا، ابن العاهرة كان يبتز مهنته ويهرب البشر والمطلوبين للعدالة، ذات مرة كان قد اختطف إمرأة فرنسية ليقوم باغتصابها في استراحة أحد أصدقاءه، هؤلاء هم السبب الرئيسي في غياب الفرنسيس وأمثالهم عن البلاد، أؤكد لك…وجدنا المرأة تبكي وتحكي كلامات غير مفهومة بالفرنسية ممزقة الملابس كانت، خافت من هالتنا، هل فهمت؟ أنا متأكد أنها شعرت بأن الليبيين جميعاً متشابهون بعد أن اختطفها سائق التاكسي، والآن ماذا يفعله السائق؟ إنه على شفى حفرة من الإفلاس لأن أغلب زبائنه كانوا من المسافرين من وإلى المطار، هاهو الله يرد له الصاع صاعيْن لكنه لا يرتدع، فقد كدنا نقوم بالقبض عليه ذات يوم… كنت أعمل في دوريتي بإحدى البوابات، تفحصت وجهه وشككت به، لقد نسيته تماماً إلا أن قلبي كان يقول لي أن هذا مجرم؛ أوقفته على قارعة الطريق، كان معه طفل يحمل آيس كريم بالفتسق، عرفت النكهة من لونها الأخضر، قلت له ” هل هذا ابنك؟” أجاب بالإيجاب، لم أرتح لإجابته لذا أمطرت عليه الأسئلة، الفتى كان غارقاً في الآيس كريم خاصته ولم يكن عليه أنه يسمع كلماتنا، هل كان هو نفسه الفتى المفقود؟ لم أتمكن من معرفة ذلك أبداً… لقد أوقف أحد زملائي سيارة مشبوهة لأحد الشباب كان بها ممنوعات لذا قمت بإخلاء سبيله، بحثت عن الرجل لمدة من الزمن في شوارع المدينة ولم أجده، فص ملح وذاب! ولكن…هيهات، لا تخشى، فكما قلت لك، الدنيا تدور وتدور حتى تعود لتصنع بك ما صنعته أول مرة وسيسرق أحدهم طفله كما سرق طفل الرجل من أجل المال، الرجل الذي سرق المال من أجل أن يطعم ابنه… هل فهمت؟

(س)

– الأمان؟ هاهاهاهاها لقد حرقه الليبيون، ألم تسمع؟ صوّب أحدهم مدفعية باتجاه المصرف وحرق كاملاً هاهاهاهاها… ظل لساعات يحترق وغطى الدخان المدينة ليوم بأكمله، ولماذا؟ لأنّ أحدهم تعارك مع الأمن، هل فهمت النكتة؟ هاهاهاهاها

(ش)

التبس عليه السؤال، تنحنح الرجل العجوز، وضع سيجارة بين أسنانه المسجل بعضها في سجلات الشمس لأسنان الحمير المطلوب منها تبديلها بأسنان الغزلان، مسح على شاربه الملوّن بالأصفر في حوافه من تزويق الشايْ له، لمّ قميصه الليبي السماويْ وصنع به بين فخذيْه قطعة جديدة يمسك بها، قال:

  • آمان يا ربي آمان… آخر مرة سمعتها من جدي الذي كان يتقن التركية، قالها بعد ما دخل الإيطاليون لقريتنا يدكون معاقل المجاهدين، وقالها عندما حاول قطاع طرق سرقة ملابسه صارخين في وجهه بأنه من الحكومة التي خانتهم وباعتهم للإيطاليين، تفحص وجه أحدهم، كان يشبه أولئك المجاهدين الذين طردهم الإيطاليون ومنذ ذلك الوقت كان جدي لا يتحدث إلا بالإيطالية حتى ناداه الناس بالمتطليْن، بدأ ينطقها ” سيكيورتسا…سيكيورتسا”، لم يعد يعتمد أبداً على أن يجد الآمان بين الناطقين بالعربية أو التركية، اعتقد ذلك لأن الجميع في ذلك الحين كانوا يخافون الإيطاليين، ما إن تسمع اللغة الإيطالية ستجد السكون والطمأنينة ولم يتجرأ إلا المجانين من الاعتداء عليهم…جدي المسكين اعتقد أن الخلاص في اللغة الإيطالية، وقع بين أيدي قطاع الطرق ذاتهم مرة أخرى…سحبوا منه لسانه أيضاً تلك المرة، ومنها لم أعد أسمعه يتحدث أبداً، ولكن لم يعد أحد يهتم بسرقته بعدها.

أشعل الرجل العجوز سيجارته، ضحك… حدق في عجوز لافةً الرداء الأبيض على جسدها تعبر الطريق بحذر ومط بشفاهه ومرر إصبعه على شاربه المعتق برائحة السجائر والشاي، ثم أضاف:

– آمان يا ربي آمان.

(ص)

صمت حاد في الساعة العاشرة مساءً، أضواء النيون الخاصة بالمحلات التجارية بدت وحيدة دون روادها، لم يحمل الطريق على عاتقه سوى الحيوانات العابرة وفي هواءها أصوات رفرفة الخفافيش، الطريق الذي كان عامراً بالأضواء قبل عامين إلى الساعة الثانية مساءً صار خالياً على عروشه، وكل من في المنازل القريبة أطفأ أضواءه، سيارة معتمة تمر بين الفينة والأخرى بسرعة. لم يكن هناك أحد ليعبر عن رأيه.

(ض)

  • لا أخفي عليك…إننا نمر بأوقات عصيبة علينا على كل حال أن نمر بها، هذا امتحان من الله يختبر رباطة جأشنا والتحامنا وقدرتنا على التسامح، الأمن والآمان قضيتان بسيطتان جداً أمام القضية الكبرى، علينا جميع أن نتقي الله وأن نعود له، غير ذلك… لن يكون هناك أمن وآمان البتة، هل تفقدت المساجد؟ إن بعضها خالٍ من المصليين، إنني لا أود أن أقول لك بأن الأمر هو مجرد عقاب على تركنا للدين وجرينا وراء الدنيا ولكن هذا هو الواقع، انظر… كل أولئك الذين تحل بهم المصائب هم من العصاة، إن الله يمنحهم فرصة بأن يكفروا عن ذنوبهم، إنه يمنحنا فرصة للتكفير عن ذنوبنا وبماذا نقابل فرصه؟ بأن نترك مساجده وأن نصطف على المصارف، أن نترك الدعاء له وننادي الكفار من أحلاف الناتو لينقذونا، انظر إلى حال المسلمين، انظر إلى تفسخ الشباب وضياعهم، أعرف أخت من الأخوات تعاني الأمريْن من الشباب المنحرف، إنهم يتعرضون لها في الطريق كل يوم حتى أنها أصبحت تفكر في العودة إلى الله وأن لا تبرح منزلها…سترى بماذا سيقاضيها الله، أنا متأكد أنه سيفتح لها طريق الإيمان وسيرزقها من حيث لا تحتسب بدلاً من الذهاب إلى الدراسة والعمل، أعرف أحد الأخوة أيضاً يريد أن يعود لله بعد أن سرق أحدهم سيارته…هل تعرف قصته؟ والده كان أحد أزلام النظام الكافر، وأراد أن يكفر عن ذنوب والده، ورغم أنه لازال يصارع الشيطان إلا أنه يحضر جلسات الفقه والتوعية التي نقوم بها في المسجد، يمكنك أن تأتي أيضاً، إنك مرحب بك متى ما شئت، وستتعرف على قصص كثيرة من أخوة عانوا من شرور الدنيا والآن يعيشون في سلام وآمان وطمأنينة مع أنفسهم، لماذا؟ لأن نور الله قد حل على قلوبهم…إننا في امتحان يا أخي.

(ط)

تحركت بسرعة، لم تتوقف لتسمع ما تبقى من السؤال، قبضت على اللحاف الأبيض الذي يظهر عيناً واحدة من عينيها بيدها اليمنى التي يظهر منها خاتم ذهبيْ به زهرة توليب، سحبت جثتها العجوز تريد أن تهرب من الإجابة، كادت أن تتعثر عندما ضربت بقدمها حجر صغير وضع في الطريق عمداً أو دون دراية صاحبه، سلمت من السقوط، زادت من سرعة خطواتها، كادت أن ترخي الفراشية من هلعها، لابد أنها لم تعتد أبداً على أن يستوقفها أحد في الطريق، مرت بجانب أحد الشيوخ، كان يجلس بإحدى العتبات في زاوية من زوايا الرصيف، ضحك العجوز الذي كان يدخن سيجارته ومسح على شاربه قائلاً:

  • آمان يا ربي آمان.

(ظ)

  • هل سنظهر على التلفاز؟ قالت وهي ترتب ملابسها.
  • ربما…إذا كان المشروع جيداً كفاية.
  • إننا نعاني من انعدام الأمن والآمان لأنّ أعداء الثورة يريدون تخريبها، كل أولئك المجرمين الذين تسمع عنهم يدفع لهم أزلام النظام السابق المال ليخربوا البلاد ولتعتقد أمريكا والدول الأوروبية أن ليبيا دولة سيئة فيفكروا من جديد لاستعادة عهد الدكتاتورية ولكن أقول لك أنهم لن يفلحوا في ذلك، إن لعبتهم مكشوفة…مؤامرتهم على أمنا وآماننا مكشوفة، إني أخي ثائر وهو يخبرني بأولئك المجرمين الذين يلقون القبض عليهم، أتعرف ماهو الأمر الذي يجمعهم؟ جميعهم كانوا من المتطوعين في قوات النظام السابق ووجدوا صور للقذافي في أجهزتهم المحمولة وينتمون لمدن وقبائل مشهورة بدعمها للنظام، لذا…فالأمر واضح، علينا أن نلقي القبض على كل الذين أيدوا القذافي في الثورة لأنهم قد يستلمون المال من الأزلام ليخربوا البلاد وينشروا فيها الفساد، بعضهم يعملون سائقي تاكسي، بعضهم سائقي سيارات آيس كريم، بعضهم من الزنادقة أصحاب اللحى، بعضهم من جهاز الشرطة، البعض الآخر من أبناء الأزلام، أعرف طفلاً يبيع السلاح في حينا، إنّ والده كان صانعاً للخمر ووزع الخمر مجاناً لجميع المؤيدين للقذافي ليحتفلوا في باب العزيزية، أمر كل يوم من أمام الطفل لأجده يخبر أحدهم إن كان يريد سلاحاً أم لا، هل تصدق؟ طفل سمين بملابس متسخة ووجه أسمر يقف في ظلال حينا ليسأل المرة إن كانوا يريدون سلاحاً أم لا، لقد أخبرت أخي عنه وعندما دخل الثوار لبيت والده لم يجدوا شيئاً !! إن لديهم سبل وطرق في معرفة ما سنقوم به، هل تعرف كيف كان يتحكم النظام السابق بليبيا؟ لقد كان يضع كاميرات وأجهزة تنصت في الشوارع والمنازل، ربما قد وزع المنظومات على أعوانه وأزلامه ولهذا تمكن تاجر السلاح من إخفاء الأدلة جميعها، إنها مؤامرة…دول عظمى ومنظمات سرية لا تريد لليبيا أن تنهض من جديد، إننا نحن الليبيون أفضل شعوب العالم إذا تسنت لنا الفرصة سنعمل على بناء بلادنا واللحاق بركب الدول المتقدمة في سنين معدودة.

(ع)

وقفت أمام المقهى تبحث في المكان عن شخصٍ ما بالتحديد مرتدية جُبّةً بنية بها زخرفة على جيدها لدائرة تحوم حولها خمس بتلات كتلك التي تجد الأطفال يرسمونها لشكل الزهرة. متلحفةً إشاربها المتنافر الألوان وممسكةً بدنانير في يدها، مرّ أمامها مجموعة من الشباب، استوقفت أحدهم، أعطته النقود…انتظرت تراقب حركاته داخل المقهى، يسلم الكاشيير النقود، يقف أمام الأسطى ومن ثم يأخذ كوباً من القهوة ويعود إليها؛ سلمها القهوة…شكرته وتحركت فرحةً بإنجازها.

  • أخاف المقاهي الشبابية، تعرضتُ داخلها لمحاولات تحرش… خصوصاً هذا المقهى؛ لطالما ألقى الكاشيير عليْ نظرات استفزازية رغم منظري الذي يشبه أخته الكبرى ربما لكن ذلك لم يمنعه من مغازلتي بأعينه ومن ثم بلسانه وأحياناً بيده، أعرف أن عليْ أن أبحث عن مقهى أخرى تعد النسكافيه لكن لم استطع ذلك،حاولت استبدالها مرات عديدة دون جدوى ترجى من ذلك؛ فالمقاهي التي زرتها جميعاً كان ينقصها عنصر مهم لم أعرف كنهه إلا في هذا المقهى الشبابي كما أنّ محاولاتي لصنع نسكافيه جيدة في البيت أفلحت بالهزيمة النكراء، عدا أنّني لم أتمكن من الاستغناء عن الطعم اللذيذ لها ولا الشعور والجو الذي تغمرني به، أنا ثلاثينية عزباء…وعندما يصنع لي شيء صغير كهذا بهجةً تنسيني الكآبة التي أعيشها والنظرات الدونية التي أتلقاها في المنزل، في الشارع، في المدرسة حيث أعمل وفي المناسبات الاجتماعية فإنني لن أتمكن أبداً من تركه، فبطريقة أو بأخرى أنا ممتنة جداً لهذا المقهى رغم كل ما يحمله من تحقير دوني لجسدي الذي يذبل أمامهم دون أن يفكر أحدهم في خطبتي، لا أكذب عليك…في البداية كنتُ استمتع بمغازلات الكاشيير وقد تعرفت عليه عن طريق الهاتف لكنه لم يكن جاداً أبداً، إذ تجرأ ذات يوم للتحرش اللفظي، اعتقد أنّي عاهرة ككل العاهرات اللائي قد يكون سمع بهنّ، عزباء، ثلاثينية وتقتلها كآبة التقدم في عمر دون رجلٍ يسكنها بيته إذا فيمكنها أن تعطيك ما تشتهيه فقط لتوفر لها الآمان لما تبقى من عمرها، هل أريد هذا النوع من الآمان؟ نعم، بل أحتاجه…لم أعد أشعر حتى بالآمان اتجاه أي شيء وأخاف أن أصل للأربعين لأخسر إنسانيتي وأتوحش، قل لي ما أنا فاعلة؟ لا أعرف!

(غ)

وهي عائدة من المدرسة أسرعت اتجاه بائع البالونات الذي حفظت مكانه وما يحمله الكشك الصغير من ألعاب، اهتاجت نفسها… أرادت دائماً أن تشتري بالونة لنفسها، لم تكن تعجبها كل تلك البالونات التي يشتريها لها والديْه والتي لطالما خيّبت آمالها، صمدت مبلغاً مالياً من مصروف المدرسة جوّعت نفسها حتى يكون بين يديها، عرفت كم تحتاج من مال لتشتري كل أنواع البالونات التي لدى البائع. كانت تجري اتجاهه خائفة من أن يغلق أو أن يحصل أي شيء يمنعها من تشتري بالونتها اليوم، جرت جيداً حتى أنّ شعرها الكيرلي انتفض من عقده ليفر عكس اتجاهها- الذي تحاول أمها صباحاً ترويضه بتمرير الفيونكات لتصنع التسريحة التي لطالما ضحك أخوها الصغير محب الآيس كريم أن يسخر منه منادياً إياها ” نعجة” -، عند وصولها للمحل التقطت أنفاسها وطلبت منه جميع الألوان من جميع أنواع البالونات التي لديْه، تعجب الرجل من طلبها لكنه انتقى لها ما تريد وليشعرها بالسعادة أخرج بالون كبيرة ونفخها بغاز الهليوم وربطها بخيط لأجلها وقال لها ” هذه هديتي لك!”، كان يعرف تلك الفتاة الصغيرة التي دائماً ما تأتي وتسأل عن أنواع البالونات التي لديْه، وضعت حاجياتها في حقيبتها وأمسكت البالونة التي صنعها لها، عند خروجها من المحل، كانت تقفز وتغني بسعادة مدهشة، انقطعت سعادتها عندما صفرت رصاصة بجانب أذنها لتفرقع البالونة لتكسر زجاج نافذة المحل. خرج الرجل يهرع بعد أن سمع صوت فرقعة البالونة، وجد الفتاة متجمدة قد بالت نفسها وخيط البالون لازال في يدها مع بعض البقايا البلاستيكية، حدق في الزجاج المكسور؛ دخل للمحل ووجدها…كانت رصاصة مضاد للطائرات قد كُتب على رأسها ” الذئب”.

(ق)

  • لقد مضى عام منذ آخر مرة خرجت فيها من البيت، حفظت جدراننا جميعها، هناك جدار في خلفية المنزل تغطي عليه شجرة كرموس كبيرة كنت ألعب تحتها في طفولتي لم أرى ما قد كتب فيه منذ أن كنت في التاسعة وأنا الآن في منتصف العشرينات؛ أتذكر أنني قد كتبت على الجدار ” أحب بلدي وقريتي…أحب أن أذهب إليها كل صيف مع أبي لأزور أبناء خالاتي” ضحكت عندما رأيت ماقد كتبه الصغير، أتعرف لما؟ لأنني الآن أكره بلدي ولكن أمقت هويتي التي بُليت بها، والسبب أنني قبل عام قد تعرضت لحادثة مثيرة للشفقة فقد كنت عائداً من ليلة سُكر مع الأصدقاء، كنّا كل خميس نذهب إلى مزرعة أحدهم لنشرب الخمر ونأكل المعكرونة ونصنع الشواء وكانت تلك الليلة أروعها، القمر في أعلى السماء، الهدوء يعم المكان، والهواء يعذبك بنسيم الربيع الليلي، قطرات الندى بدأت تنزل على الأشجار المحيطة والأصدقاء قد صمتوا في لحظة تجلي بعد صخبٍ وغناء إلى أن سمعنا حفلة بجانبنا لم تكن ككل الحفلات، فقد كانت الحرب تدق طبولها بين عدويين جاورا بعضاً لأشهر حتى طفح صبر أحدهما على الآخر بعد أن قتلوا أحد أعوانه، قررنا أن نعود لمنازلنا حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه، كنا أربعة أو خمسة… لا أتذكر، لمّينا أنفسنا وركبنا سيارتيْنا إذ انقسمنا إلى مجموعتين وانطلقنا مسرعين نحو الطريق عند الساعة الثانية صباحاً، لم تكن هناك سيارات في الطريق عدا سيارتيْنا، خرجنا إلى الطريق العام يتبع بعضنا البعض إلى أن استقر بنا الحال عند إحدى البوابات الأمنية، كنت في السيارة الثانية…خذها مني نصيحة، لا تركب أبداً في السيارة الثانية، تحادثت المجموعة الأولى مع الرجل في البوابة لدقائق ومن ثم انطلقوا سالمين، استوقفنا نحن أيضاً ونادى علينا بصوتٍ حجري به العدوان ” بطاقات الهوية خاصتكم!” سلم كل منا بطاقته، قرأ الرجل بطاقة أصدقائي ومن ثم وصل إلى بطاقتي وقال ” أين هو صاحب هذه؟” ونادى باسمي، قلت بهدوء مترقب ” أنا” صرخ في جماعته ثم قال لي ” انزل يا ابن العاهرة” وقال لأصدقائي ” اذهبوا إلا إذا كنتم تريدون المبيت معه…هيا قبل أن أسجنكم بتهمة السكر أيها الحثالة” وأنت تعرف ما حدث بعد ذلك، ضرب، سب، تنكيل، بت لأيام في ضيافتهم يعذبونني، كانوا يريدون أن يقايضوني بأحدهم، عرفت أن المعركة قد حدثت بينهم وبين مجموعة من قريتي. لم يأبه بي أحد، لقد كنتُ مجرد ابن لتاجر ألعاب وحفيد لرجل عجوز هرب من بؤس القرية في عهد الإيطاليين ليعيش في طرابلس؛ لذلك عندما لم يجدوا لي فائدة ترجى أرادوا قتلي مرات عدة، لم يمسكوا بأحد من أبناء قريتي سواي ذلك اليوم! لذلك فقد كنت تسليتهم الوحيدة، يستبدولن نيتهم في قتلي بضربي وتعذيبي وسب أمي وقبيلتي وقريتي وكل ما يمت لي بصلة، أتعرف كيف خرجت؟ لأنّ الآمر كان ” ابن ناس” ويقدر الرجال فقال لي بعد أن نفذ صبره من الحثالة ” اذهب….لقد غفرت لك”، كان يسمونه الذئب، أظهر لي رصاصة كتب عليها ” الذئب” وقال ” احتفظ بها… هذه ثمنك، لقد اشتريتك منذ اليوم”. أنا ابن بائع ألعاب، هل تعرف ماهي سخرية القدر؟ لقد كسرت رصاصة زجاج محل أبي، كُتب عليها ” الذئب”.

(ك)

جلس الجميع في المقهى يدخنون الارقيلة، السجائر وأرواحهم وضحكاتهم صحبة الوقت وزمامير السيارات، ذلك اليوم كانت هناك مناوشات بين كتيبتيْن تابعتيْن لوزارة الداخلية على بعد كيلومتر واحد أو أقل من ذلك، قيل أنّ أحدهم استوقفته بوابة من كتيبة ليس موالٍ لها…حدثت بعض الأحاديث بين الزملاء في وزارة الداخلية من مثيل ” زجاج السيارة…يجب أن تنزع اللاصق المعتم” و” لما يتعين عليْ ذلك؟” و” لأننا قلنا كذلك!” و” ها؟ من أنتم؟ أما أنا فأعرف أنني لا أريد نزع اللاصق” و” هل تتمنيك على الرجال؟” و” الرجال؟!!” وما تبقى من القصة، يسحب الواقف بالبوابة الأمنية على المستوقف السلاح ويدخل الرصاصة في بيت النار؛ يصل المستوقف إلى ظهره فيدخل رصاصته في بيت النار  وقبل أن تدخل تماماً تتجه رصاصة البندقية في صدره ليسقط ميتاً وتنتشر نيران الحرب والطلب بالثأر ومحاربة أبناء العاهرات، وفي خضمِ كل ذلك…كان الجميع: شيخ في سنِ السبعين جالساً يدخن سيجارته، شباب يرتدون أبهى الثياب يحتسون القهوة ويدخلون في أحاديث عن القرقعة في سماءِ المدينة، نساء ورجال وأطفال يمرون من الطريق، وشيخ آخر يوزع الفستق والسمينسة واللوز لقاء دينار يسحب كروصته في أرجاء المقهى، والسيارات تزمر لتتدافع في طرقات المدينة التي على عتبة تراقص الدبابات تحتفل بتساقط الرصاصات في مياه بحرها.

(ل)

  • الأمر ليس سيئاً الحقيقة، إنّه نسبي كما يمكنك أن تقول… ماذا سيحدث لشخص فقير يملك سيارةً تبذل جهداً تستحق عليه جائزة لتمكنها من أن تخرج سالمة من عصر الجماهير فليبيا الغد فالثورة فالرخاء فالحرب الأهلية، وقد حفظته طرقات المشاوير البسيطة التي يجزي وقته فيها بين بيته، مكان عمله كموظف بائس في مؤسسة حكومية بائسة كهيئة البيئة أو المحافظة على التراث أو أي عمل هامشي آخر لا يهم أحداً وشوارع حيه الهامشي، لم يختلط لا بالنظام ولا بالثوّار ولا حتى بالعصابات، انسان متكئ على سور الله الذي يكاد يسقط على رأسه، مواطن بسيط جداً…ما الذي قد يحدث له؟ لا شيء تقريباً، إنّه في أمن وآمان بعيداً عن طمع الأيام فيه، فهي مشفقة على وقوفه لساعات أمام المصارف يبحث كيف يمكنه اسكات أفواه زوجته وأطفاله بالطعام، وفي المقابل…من يمتلك ميزة المال، الموقع الجيد أو السيء حتى، إنّ ذاك على الأيام أن تتمنيْك عليه، كان الأمر كذلك منذ بدء هذه البلاد في أن تكون كما تعرفها الآن، أنا مواطن هامشيْ… لم أشعر يوماً بأنني معرض للخطر، على العكس كنت أعيش يومي أفكر في لقمتي حتى أكاد أنسى همومي الأخرى، أنهي العشية أمام بيتي في الحارة أمرر الوقت في تغيير زيت سيارتي أو محاولة إصلاح عطب ما فيها والأطفال يحلقون حولي يلعبون بالطين وكرتهم التي توشحت قطع القماش، جلد الدواليب ثقوبها ليستمروا في لعبها، ليلي أمضيه صحبة زوجتي وأبنائي أبحث في وجوههم التي رغم نظافتها تبدو قاهرة للعين من انعكاس الثياب القديمة على سحناتهم الضعيفة لأنام محارباً مؤخرة زوجتي السمينة من عدد صغاري الذين خرجوا من كسها لأستيقظ هلِعاً على منظرها أيضاً.

(م)

  • لم أشعر يوماً أن الديكتاتور قد وفر لي الأمن أبداً، كان يوهمنا بأن كل شيء على ما يرام…نعم هذا ما فعله نظامه الذي شكلنا، عرف هويتنا، صبغها، نقش على أرواحنا وعقولنا، وجه نظراتنا وتحكم في الاتجاهات والأشياء التي تراها أعيننا، القصص التي تسمعها آذاننا، الطعام الذي تتذوقه ألسنتنا، الحقيقة التي تتلمسها أيدينا والروائح التي تشتمها أنوفنا فتمكن من أن يجعلنا نعتقد بأننا جميعاً بخير، هل تعلم أنّ ظهور قضبان الحديد في نوافذ المنازل الليبية كان في عصر الجماهير الذي يدعي الجميع بأنّه كان أمنا وآماناً؟ هل تعرف ماذا يعني هذا؟ إن للدولة الليبية استحدثت لجان خاصة بالإشاعات ولجان خاصة بالاستخبارات، هل تعرف ماذا كنا نسميهم؟ ” الوشواشات”، الناموس الذي يطير في أجواءنا لا نأبه به ينقل الكلام الذي نقوله والأحاسيس التي نشعر بها لتسجل في الأوراق الرسمية، كان يمكن لهم أن يكونوا أي شيء…مدرسون، حلاقون، بائعو خضروات، سائقو سيارات أجرى، مجانين، هاعرات، تلاميذ ومحامون وأطباء، كان الجميع يشك في الجميع…لقد استحدث فينا صفة الشك والمواراة والمواربة والنفاق فوفر لنفسه أمناً وآماناً جعلنا نشعر بأنها من نعمه علينا، حمى نفسه منّا بإيهامنا بأنه حامينا. ما الذي يحدث الآن تقول؟ إنّه كما قال القائد: ينتهي الجهل..عندما يقدم كل شيء على حقيقته!!!

(ن)

  • لا أعرف أي شيء…أنا لست من هنا.

قال ثم حمل نيرانه ليوزع الفحم على رواد المقهى مبتسماً، يعمل على اسعادهم جميعاً حتى لا يتهمونه بأنه زنجي غبي.

(ه)

  • الحمد لله يا ربي…صحيح أنّ الوضع متأزم قليلاً لكن الله يحفظ البلاد والعباد ويهدئ الصدور، نحن شعب واحد وعلينا أن نتحد ولولا سوء الفهم لما كان سيحدث ما يحدث الآن، إنني متأمل نعم…هناك دائماً أمل فينا، نحن شعب طيب.

(و)

  • الأجانب لا يريدون لنا أن نتقدم. إنهم يعلمون أننا إذا عشنا في استقرار ورخاء سنسبقهم في ظرف سنوات قليلة، إنهم يخافوننا أقول لك لهذا فهم متحكمون في حياتنا وكل شيء نفعله بأمرهم، ثم أنهم متحالفون مع الشيطان والجن…أنت تعرف، لقد لبس البلاد جن ولازالت ملعونة، فلا يمكن تفسير كل ما يحدث إلا هكذا، انظر…لقد كثر المرضى النفسيين وأعرف شيخاً قال لي بأنّ حالات اللبس التي تأتي له أكثر من السابق وغالباً ما يكون صانع التعويذة في خارج البلاد باسماء أعجمية وفارسية ومغربية ومصرية وإفريقية…إنهم الأجانب أقول لك.

(ي)

توشح ظلام ذلك الطريق الذي لا تسمع فيه حسيساً سوى ما تعرضه عليك الكلاب بين الفينة والأخرى من نباح وما تتركه أجنحة الخفاش بين الأشجار الممتدة على امتداده أو احتراق الحشرات في مصابيح المحلات التجارية المغلقة، أو ما تعرضه الريح ناقلةً الأكياس البلاستيكية ترقص في هدوء ووحشة الطريق، تحرك هو في جنح الظلام، كان يحمل زجاجة بخاخ في يده، توقف أمام أحد الجدران حيث أحد أضواء الطريق كان يرّف محتضراً وكتب بخطٍ كاريكاتيري:

  • اللهم أدام عالينا نعمتا الأمني والآمان هاهاها.

 

Advertisements